تؤكد المصادر البرلمانية في العراق ان الميزانية الانفجارية للدولة العراقية خاوية، وان السبب الرئيس في ذلك، هو «محاربة الارهاب»، فيما يرى مراقبون انها انفقت «لدعم الارهاب»، معللين ذلك بان عشرات المليارات من الدولارات التي انفقت على التسليح، كانت نتيجتها تسليح تنظيم «داعش»..

وعشرات المليارات من الدولارات التي رصدت لتشكيل الجيش وتجهيزه وتمويله، تبخرت امام ثلة من المتطرفين، ما كان لها ان تجد موطئ قدم على الارض العراقية، لولا السياسات الخاطئة للحكومة، ومن والاها، والمقصود بهم المنتفعون، والذين تم تنصيبهم حكوميا كشيوخ عشائر، وابرازهم كواجهات لما تسمى «المصالحة الوطنية»، المشتراة من دون وثائق شراء، ومنحهم الاموال والسلاح بلا حساب او كتاب.

البو نمر ليست مالكية

ولكي لا يذهب المتلقي بعيدا بشأن المجزرة التي تعرضت لها عشيرة البو نمر، على ايدي تنظيم داعش، يتطلب الامر «بعض الصراحة»، ومنها ان عشيرة البو نمر، ليست من العشائر الموالية للحكومة، وان العديد من وجهائها كانوا في قيادات الحراك الشعبي، كما كان بعض شيوخها من مقاومي الاحتلال، ولاسيما آل الكعود..

حيث امضى احدهم الشيخ سطام الكعود، زهاء خمس سنوات في سجون الاحتلال، وبعد ان اطلق سراحه وغادر الى سوريا، اتهمته حكومة نور المالكي بالمشاركة في التخطيط لتفجير وزارة الخارجية، وبقي الشيخ سطام من ابرز داعمي الحراك الشعبي.

فيما عرفت مدينة هيت في السابق بليبراليتها، وكانت تسمى موسكو الانبار.

يوسف النجرس

ولعل مواقف وجهاء البو نمر، من اسباب التلكؤ في تقديم الدعم لهم وهم يواجهون ويصدون هجمات «داعش» منذ عدة شهور، والانكى من ذلك، ان الحكومة السابقة برئاسة نوري المالكي، كانت تقدم الدعم للعشيرة..

ولكن ليس من خلال وجوهها المعروفين، وانما من خلال اشخاص آخرين في العشيرة، لدعم «شيختهم» عليها، وشق صفوفهم لصالحه، وهذا ما تم الكشف عنه خلال احتلال «داعش» لقضاء هيت، واستيلائهم على مخازن للأسلحة والعتاد واكياس من الاموال في منزل شخص يدعى يوسف النجرس.

وتداولت اجهزة الاعلام اسم يوسف النجرس، من دون الاشارة الى انه من آل الكعود، وانه كان يتلقى الدعم الحكومي لدعم مركزه الشخصي، ودعم المالكي، وليس لمقاتلة «داعش»، بدليل انه اوقف توزيع المال والسلاح بعد رحيل المالكي من رئاسة الحكومة، وبقي هو في انتظار ما يكون عليه موقف الحكومة الجديدة.

شراء الصحوات

ولعل تجربة البونمر العشائرية تنطبق ايضا على عشيرة البوعيثة، حيث لمع اسم الشيخ لورنس الحردان في ساحات الاعتصام والحراك الشعبي، وعند بروز الخلاف بين المالكي وزعيم الصحوات احمد ابو ريشة، قام المالكي باستبدال الريشاوي، وتعيين وسام الحردان رئيسا للصحوات مكانه، ما تسبب ببراءة عشيرة البوعيثة من الشيخ وسام، فيما اعلن شقيقه الشيخ لورنس براءته من اخيه، لخيانته ساحات الاعتصام.

وبدلا من ان يكسب المالكي تأييد قوات الصحوة، عمل على شق صفها، واصبحت «منبوذة» في الوسط السنّي، بينما يغتني امراؤها من اسماء وهمية تصرف الحكومة لهم الهبات، وهي تعرف ذلك، كما تعرف قصة الفضائيين في الجيش والشرطة، الذين بلغت نسبتهم اكثر من النصف.

«الفضائيون» عمل شائع

و«الفضائيون» مصطلح شائع في العراق، ويطلق على العسكريين والشرطة والموظفين، والصحوات، المسجلين رسميا، وغير الموجودين عمليا، وهم اما أن يكونوا وهميين، او حقيقيين ولكن لا يمارسون عملهم ويتقاسمون رواتبهم واسلحتهم وتجهيزاتهم مع المسؤول الاعلى.

وبشكل عام لا توجد وحدة موقف لدى عشائر العراق، منذ انتهى عهد الاقطاع في اواخر خمسينات القرن الماضي، ولكن تبقى اواصر القربى والشعور بوجود السند الداعم، حقيقة واقعة في ظل انعدام دور الدولة.

الفاروق يجمع الدليم

ولعل أهم ما يجمع عشائر الانبار «الدليم»، هو التاريخ المشترك، والجغرافيا المشتركة، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي اقتطع لهم ارضا شاسعة في اعالي الفرات والصحراء الغربية، واسكنهم فيها، وكانت تسمى «ارض زبيد»، نسبة الى قبيلة الزبيدي، التي تعد عشائر الدليم جزءاً منها، اضافة الى قبائل الجبور والعبيد، وهم من ثلاثة اخوة اسلاف «جبر وثامر وعبيد» ابناء عمر بن معدي كرب الزبيدي.

الدفاع عن المواطنة

وتتكون قبيلة الدليم حاليا من اكثر من 60 عشيرة، تسكن ثلث مساحة العراق، ومن هذه العشائر البونمر، التي تسكن مناطق هيت وما حولها، حيث تدور المعارك هناك، بين عناصر «داعش» وسكان يدافعون عن ارضهم، وعن قيمهم المتوارثة، فيما تنصرف الحكومة السابقة لشق الصف، فتقدم خدمة كبرى لـ«داعش»، ولا يزال موقف الحكومة الحالية في طور التأسيس..

والتأني في اتخاذ القرارات الحاسمة، التي يتوقع ان تواجه معارضة شديدة من داخل الائتلاف الوطني الشيعي، الذي تنصل من الفشل الحكومي، كونه هو الذي اختار ودعم المالكي، ولا تريد اطراف فيه اظهار خلافاته الى العلن، او الى حد التصادم، لتتكرر المأساة العراقية، التي بدأت مع الغزو والاحتلال الاميركي.