عاد البورقيبيون إلى صدارة الأحداث بانتصار مشروع دولته في الانتخابات البرلمانية، من خلال فوز حركة نداء تونس التي تعتبر نفسها امتداداً لدولة الاستقلال ولقيم الحداثة والمدنية والعقلانية التي ترتبط في تونس بما يسمى بالمدرسة البورقيبية، ووجد الشارع التونسي نفسه مضطراً للعودة إلى البورقيبية، للتعويض والإقرار بفشل الحكام الإسلاميين، الذين جاءت بهم «ثورة» في تحقيق الحدّ الأدنى من مطالب الشارع الذي انتفض على الرشوة والفساد والبطالة وارتفاع الأسعار، لكنه اصطدم بواقع أسوأ وبالإرهاب الذي يهدد استقرار تونس ويحصد أرواح شبابها من جيش وأمن السياسيين.

ويرى المراقبون، أن التونسيين، حاولوا الاحتماء بالإرث البورقيبي من «هجمة» مشروع الإسلام السياسي الذي عمل على ربط الوضع الداخلي بمشروع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، واعتبر اليساريون الراديكاليون أنهم أبناء شرعيون لبورقيبة، وإن كانوا اختلفوا معه وفق تعبير حمّة الهمّامي زعيم حزب العمّال الناطق الرسمي للجبهة الشعبية، وعندما ظهرت حركة نداء تونس، كان هدفها الأول إحداث التوازن السياسي، وتقديم البديل عن حركة النهضة التي استفادت من حل حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي وضعف الأحزاب المدنية، ومن الدعم الإقليمي والدولي لتعمل على الهيمنة على مفاصل الدولة والمجتمع.

السبسي البورقيبي

في العام 1956 تاريخ استقلال تونس، كان الباجي قائد السبسي من رجال المرحلة ، وكان قريباً من بورقيبة وعضواً ناشطاً في الحزب الحرّ الدستوري ، وطيلة 30 عاما من الحكم البورقيبي شغل قائد السبسي مناصب عدة منها وزير الداخلية ووزير الدفاع الوطني ووزير الخارجية ، وعندما أسّس حركة نداء تونس في يونيو 2012 ، لم يخف قائد السبسي تمثّله ببورقيبة في لغة الخطاب الذي يعتمده أمام أنصاره ، وفي الدفاع عن جملة من المبادئ منها هيبة الدولة وسيادتها وحرية المرأة والنموذج المجتمعي.

الحنين إلى الماضي

وفي الانتخابات البرلمانية التي انتظمت الأحد الماضي ، تأكد حنين التونسيين إلى فكر ومشروع ودولة بورقيبة التي تدافع عنها حركة نداء تونس بكل ثقلها ، وجاء انتصار «نداء تونس» ليؤكد أن أي مشروع سياسي أيديولوجي قد يكون له دور في حكم البلاد ولكنه لا يمكن أن يكون الحاكم الفعلي ، وهو ما أدركته حركة النهضة منذ فترة ، عندما بدأت في تغيير خطابها ، وعندما ترحّم زعيمها راشد الغنوشي لأول مرّة على الحبيب بورقيبة ، وهو ما اعتبره جزء مهم من التونسيين نوعاً من مجاراة الرأي العام وليس عن قناعة ، فإسلاميو تونس يعتبرون بورقيبة عدوهم التاريخي والأيديولوجي.

وكذلك يعتبرون الباجي قائد السبسي وحركة نداء تونس التي حاولوا ضربها بأساليب عدة داخليا وخارجيا ، وبتقديمها على أنها تمثّل الثورة المضادّة ، وتحتضن أزلام النظام السابق ، غير أن النتائج المعلنة أكدت أن الشعب اختار دولته المدنية الحديثة كما أسسها بورقيبية ، بل وأعاد بورقيبة إلى واجهة الأحداث ، أعاده ليحكم تونس من جديد بعد 14 عاماً من وفاته ، وليقول إن الشعوب لا تنسى الآباء المؤسسين ولا تنسى بناة الدول الأوائل.