تزامن اليوم الأخير من الحملة الانتخابية في تونس مع اعلان وزارة الداخلية السيطرة على مجموعة إرهابية مُسلحة متشددة تحصنت في وقت سابق داخل منزل في ضاحية وادي الليل (شمال غرب العاصمة).
وحمل هذا التزامن أكثر من دلالة ابرزها أن الارهاب يبقى الملف الأخطر و التحدي الأبرز الذي يهدد العملية الانتخابية من ناحية، وما بعد الانتخابات من ناحية أخرى .
ورغم أن الوعي بهذا التحدي أصبح واقعا ملموسا لدى أغلب الفاعلين السياسيين و الأجهزة الأمنية و المواطنين ، فإن خطورته تظل قائمة بقوة ويدفع في اتجاه أن نجاح العملية الانتخابية هو انتصار ضد الارهاب .
كل من تابع الحملة الانتخابية في تونس لاحظ أن الارهاب والاستقرار الأمني كان عنوانا بارزاً في شعارات ورسائل كافة القائمات المترشحة ، ولاحظ أيضا أنه مع عمليتي قبلي ووادي الليل، تحولت الشعارات الى دعوة المواطنين للإقبال على صناديق الاقتراع للانتصار ضد الارهاب وضد محاولاته ارباك العملية الانتخابية.
هذا التحول الذي كان لافتاً يعبر عن المخاوف من ضعف الاقبال على صناديق الاقتراع بسبب المخاوف الأمنية والتهديدات الارهابية التي أكدت المصالح الأمنية في تونس منذ مدة أنها تهديدات قائمة وحقيقية.
هذه المخاوف لم تكن حاضرة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (أكتوبر 2011)، ولم يكن الارهاب عنوانا في الحملة الانتخابية للمترشحين ما يشير إلى أن هذا الملف هو من تداعيات حكومتي الترويكا التي مثلت حركة النهضة عمودهما الفقري .
إذ تغاضت عن كافة التحذيرات الاعلامية والأمنية التي نبهت الى مخاطر توسع المجموعات المتشددة وتمركزها في أكثر من منطقة، ومع ذلك رفضت التحرك ضدها في الوقت المناسب تحت عنوان أن الارهاب في تونس هو فزاعة المعارضة والإعلام أو أنه مرتبط بـ الفوضى الأمنية وخصوصيات المراحل الانتقالية.
وفي عودة إلى تصريحات عدد من المسؤولين السياسيين سنتي 2011 و2012، سنقف على حقيقة هي أن التقليل من خطورة الارهاب و اعتباره فزاعة، كان احد جوانب الغطاء السياسي والأمني الذي تمتعت به هذه الجماعات للتمركز. وما كان يُنظر اليه كفزاعة تأكد أنه حقيقة موضوعية تورطت في الاغتيال السياسي .
واليوم تمثل احدى أهم تهديدات العملية الانتخابية، وتمثل أيضا التحدي الأبرز للمجلس النيابي المقبل والحكومة التي سيفرزها . وقد تجد الدعوات للإقبال على صناديق الاقتراع للانتصار ضد الإرهاب وإفشال مخططاته، الصدى بين التونسيين الذين أكدوا في أكثر من محطة رفضهم للإرهاب، لكن ذلك لا يعني أنّ مصادر التخوفات الأخرى من ضعف المشاركة في العملية الانتخابية ستنتفي.
الاقبال على الصناديق الاقتراع مرتبط بعدة عوامل منها: المناخ العام، والثقة في الفاعلين السياسيين، والدور الذي يمكن أن يقوم به المجلس النيابي في التعاطي مع شواغلهم .
وتدفع المؤشرات الحالية للقلق، ذلك أن ثمة خوفاً حقيقياً أنّ تكون نسبة المشاركة متدنية، من هذه المؤشرات الظروف التي تمت فيه تقديم الترشحات وما رافقها من خلافات بين الاحزاب ، الانطباع الحاصل ان المجلس التأسيسي الذي انبثق عن انتخابات 23 أكتوبر2011 لم يقم بدوره كاملاً خاصة في ما يتعلق بشؤون المواطنين، وأيضا أنّ انتخابات 23 أكتوبر 2011 التي كان يعتقد انها ستدخل البلاد إلى مرحلة جديدة.
التنافس الانتخابي الذي وصل في بعض المناسبات إلى مستويات غير مقبولة من تبادل التهم والشيطنة، أكيد انه لا يشجع الناخب على التحمس للذهاب إلى صناديق الاقتراع وتجعله يعزف عن ذلك .
تعاطي المواطن التونسي العادي مع الانتخابات يختلف عن تعاطي السياسي، المواطن العادي ينظر للعملية الانتخابية فقط من زاوية استفادته المادية الملموسة، ومن زاوية ايجاد الحلول لشواغله سواء المهنية او الاقتصادية او الاجتماعية، وعندما يشعر ان ذلك لا يتحقق يتدنى اهتمامه بالانتخابات. ربما هذا الأمر لا يقنع السياسيين لكن بالنسبة للمواطن العادي ذلك هو جوهر العملية الانتخابية.
كاتب ومحلل سياسي تونسي