تدفق الأكراد من عين العرب بكثافة صوب الحدود التركية مع بدء هجوم تنظيم داعش واختراقه للنقاط العسكرية التي كانت تعتبر بمثابة الدروع الحيوية والأمنية من المحاور الثلاثة للمدينة.

استحضرت كارثية النزوح والتي جاوزت قرابة 200 ألف نازح، في أذهان الأهالي منذ اللحظات الأولية من المواجهات الشرسة، بوقوع ما كان يخشى أن يحدث في كل برهة منذ عام ونيف، وهم يقارعون بالأسلحة الخفيفة حشود التنظيم الإرهابي.

إنقاذ الممكن

واستحوذ مناخ نفسي متوتر على مشاعر الكتلة البشرية في الريف والمدينة معاً، حتى اختلطت الخيارات على الناس ليجدوا أن الوقت بدأ يتخطاهم دون الإتاحة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المواشي والسيارات والاحتياجات الضرورية الحياتية.

وطغى هذا التصور المرعب على الفضاء الشعبي العام، حيث تقاطر الأهالي عبر جميع وسائل النقل التقليدية والحديثة بعدما اختلط سكان الريف بالمدينة، ليشكلوا عاصفة بشرية تنهمر نحو المعابر الحدودية الواقعة بجوار المدينة من طرفي الشرقي والغربي، مصاحبين معهم المواشي والأبقار والاحتياجات الرئيسية الحياتية، لتصرخ امرأة ريفية كانت في الأرض مع أطفالها الصغار في وجه الحشود المتجمهرة أن زوجها وأشقاءها الذين كانوا يحاولون جلب حاجياتهم، وقعوا أسرى بيد داعش ضمن قرية واقعة في المحور الجنوبي من المدينة. ليأتي بعد لحظات معدودة خبر صادم يؤكد قيام داعش بذبح رجل مسن.

تباين الخيارات

وتشردت غالبية النازحين في شوارع وحدائق ومدارس مدينة سروج التركية والتي تتقاطع مع كوباني بصلات قربى عشائرية وسط تخبط المؤسسات الإغاثية والبلديات التركية، مما زاد منسوب الاغتراب لدى النازحين بالقطيعة الكلية مع كوباني. كانت توحي المؤشرات في هذه اللحظات المضطربة بوجود انقسام اجتماعي شق صفوف شتات النازحين إلى كتلتين متباعدتين في الاختيار ما بين العودة إلى عين العرب أو الانزواء في ثنايا المدن التركية، والنقطة المحورية في هذا الانفصام ارتهنت بمآلات معركة عين العرب.

توجهت فئة متعاظمة صوب شوارع وأزقة مدينة أورفا وعلي كور وسروج وعين تاب وديار بكر وميرسين وباقي المدن التركية في الداخل بداعي تأمين مآوى بأي شكل كان، فيما كان القنوط واليأس نال منهم، حيث ترسخت قناعة صلبة بأنه من المحال أن تغدو مدينتهم ملاذاً صالحاً مجدداً للعيش والاستقرار، فكان خيار الانخراط في العمالة غير الشرعية في المصانع التركية والفلاحة في الأراضي الزراعية صورة جديدة ترسم خطوات حياتهم القادمة، حيث يصف أبو جهاد بكلمات مقتضبة الانقلاب الذي عصف حياته بين ليلة وضحاها، وهو يعمل حالياً في إحدى الحقول الواقعة بين مدينتي عينتاب ومرسين، قائلاً: «ليس أمامنا سوى العمل، حالياً نعمل في جني محصول القطن، ونمكث في الخيم المطلة على الحقول بعدما تركنا حقولنا خلفنا، وثمة مئات العوائل تكدح ضمن ظروف صعبة يومياً، وذلك بأرخص الأثمان».

نكبة النزوح

تعد هذه فئة محظوظة الآن، فقط لأنه توفر لها فرص العمل بصرف النظر عن ظروفها القاسية، بينما النكبة المؤلمة تمثلت في هؤلاء الذين احتجزوا بين الأسلاك الشائكة ليغدوا فريسة بين الجنود الأتراك وداعش. كذلك تلك الأمهات اللواتي يحرسن أطفالهن الذين يبيتون على أرصفة الشوارع الرئيسية في اسطنبول وأزمير دون سند أو معين بعدما انخرط آباؤهم في القتال ضد داعش، بينما كبلت المخيمات المغلقة التي نصبت أمام مدينتهم حرية الحركة، ليتفاعلوا بحرقة قلب مع كل ضربة تهدم عمران المدينة.

بيد أن الأمل والرغبة في العودة ما زال يحيا في قلوب هؤلاء الذين يمكثون أمام مدينتهم في الطرف التركي، فهم يرفضون تصديق رواية اقتلاعهم عن الأرض والذاكرة، ويبشرون أقرانهم في الداخل التركي يومياً من خلال الهواتف المحمولة بأن القتال يجري لصالح القوات الكردية، متناسين آثار النكبة المؤلمة.

تمسك بالأرض

يتجول الرجل الخمسيني، حكمت، منذ عشرة أيام على الشريط الحدودي من طرف كوباني، ويقول تعبيراً عن رفضه الانخراط في الحياة كنازح في تركيا: «لا يمكن أن تطأ قدمي الأراضي التركية، فهؤلاء من كانوا سبب البلاء الذين نحن فيه الآن، وحتى إن بقيت عالقاً على الحدود، لن أخرج من مدينتي وإن كان ذلك سيكلفني الموت على يد داعش».