كان اللواء مهدي الغراوي يعلم أن الهجوم قادم. في أواخر مايو اعتقلت قوات الأمن العراقية سبعة أعضاء في تنظيم داعش في مدينة الموصل وعلمت أن المجموعة تخطط لشن هجوم على المدينة في أوائل يونيو.

وطلب الغراوي قائد العمليات في محافظة نينوى تعزيزات من أكثر القادة تمتعا بثقة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي.

ولأن الجيش العراقي كان منهكا، تجاهل الضباط الكبار هذا الطلب.

غموض السقوط

لكن الغموض ظل حتى الآن يكتنف الظروف التي أحاطت بسقوط الموصل وبمن أصدر الأمر بترك القتال والانسحاب.

فلم تصدر رواية رسمية لما حدث، ولم ينشر سوى ما رواه الجنود عن عمليات هروب جماعي من الخدمة ومزاعم من قوات المشاة بأنها اتبعت أوامر صدرت لها بالهرب. ومع ذلك القت بغداد اللوم على اللواء الغراوي.

ففي أواخر أغسطس اتهمته وزارة الدفاع بالتقصير في واجبه. وهو الآن ينتظر ما تتوصل إليه هيئة تحقيق ثم محاكمة عسكرية. وإذا كان قرار المحكمة بالإدانة فمن الممكن أن يحكم عليه بالإعدام.

3 أشخاص

من جانبه يقول الغراوي إنه ظل صامدا ولم يصدر الأمر النهائي بالانسحاب من المدينة. ويقر آخرون اشتركوا في المعركة صحة هذا الزعم ويقولون إن الغراوي ظل يقاتل حتى سقطت المدينة. وعند ذلك فقط هرب الغراوي من ساحة المعركة.

ويقول الغراوي إن واحدا من ثلاثة أشخاص ربما يكون أصدر الأمر النهائي هم عبود قنبر الذي كان في ذلك الوقت نائبا لرئيس الأركان بوزارة الدفاع، أو علي غيدان الذي كان قائدا للقوات البرية، أو المالكي نفسه الذي كان يوجه كبار الضباط من بغداد بنفسه.

ويقول إن سر من قرر الانسحاب من الموصل يكمن مع هؤلاء الثلاثة. ويقول الغراوي إن قرار غيدان وقنبر ترك الضفة الغربية للموصل كان سببا في هروب جماعي من الخدمة لأن الجنود افترضوا أن قادتهم هربوا.

ولم يعلق أي من الرجال الثلاثة علانية على قراراتهم في الموصل. ورفض المالكي طلبات من «رويترز» لإجراء مقابلة لهذا التقرير. ولم يرد قنبر بينما لم يتسن الاتصال بغيدان.

وأصبح الغراوي على حد قوله كبش فداء وضحية للاتفاقات والتحالفات التي تبقي النخبة السياسية والعسكرية في العراق في مواقعها. وأحيل غيدان وقنبر موضع ثقة المالكي إلى التقاعد. ويقول الغراوي الذي يعيش في مدينته الواقعة في جنوب العراق إن رؤساءه ألقوا عليه أخطاء نظام متصدع.

وقال الغراوي خلال زيارة لبغداد قبل أسبوعين: «هم يريدون فقط إنقاذ انفسهم من تلك الاتهامات. التحقيق يجب أن يشمل أعلى القادة والقيادات».

مفاجأة السقوط

بينما كان مقاتلو داعش يسابقون الريح صوب الموصل قبل فجر يوم السادس من يونيو كان الإرهابيون يأملون كما قال واحد منهم فيما بعد لصديق في بغداد أن يستولوا على إحدى الضواحي لعدة ساعات. فلم يتوقعوا أن تنهار سيطرة الدولة.

كان خط الدفاع الأول عن الموصل هو اللواء السادس بالفرقة الثالثة من الجيش العراقي. وعلى الورق كان قوام اللواء 2500 رجل. أما الواقع فكان أقرب إلى 500 رجل. كذلك كان اللواء تعوزه الأسلحة والذخائر، وفقا لما قاله أحد ضباط الصف.

وسبق نقل المشاة والمدرعات والدبابات إلى الأنبار، حيث قتل أكثر من 6000 جندي وهرب من الخدمة 12 ألفا غيرهم. وقال الغراوي إن ذلك لم يبق في الموصل أي دبابات، كما أن المدينة كانت تعاني من نقص المدفعية.

كذلك كانت هناك أيضا مشكلة الجنود الوهميين، وهم الرجال المسجلون في الدفاتر الذين يدفعون للضباط نصف رواتبهم وفي المقابل لا يحضرون لثكناتهم ولا يؤدون ما عليهم من واجبات.

ومع تسلل المتشددين إلى المدينة استولوا على عربات عسكرية وأسلحة. وقال ضابط الصف الذي يعمل في المدينة ان المتشددين شنقوا عددا من الجنود وأشعلوا النار في جثثهم وصلبوا البعض وأشعلوا النار فيهم على مقدمة سيارات الهمفي.

وأمر الغراوي قواته بتشكيل صف دفاعي لتطويق أحياء الموصل الغربية المحاصرة من جهة نهر دجلة. وقال إنه تلقى اتصالا هاتفيا من المالكي للصمود حتى وصول قنبر نائب رئيس الأركان بوزارة الدفاع، وغيدان الذي كان يقود القوات البرية العراقية.

وكان الاثنان أعلى رتبة من الغراوي، وتوليا تلقائيا بالكامل القيادة في الموصل في السابع من يونيو.

وكان الفريق بابكر زيباري يرأس الغراوي ورئيسا لهيئة الأركان للقوات المسلحة في بغداد. واتفق في الرأي أنه لا يوجد ما يكفي من الرجال لإلحاق الهزيمة بالمتشددين. وسبق أن رفض المالكي فرصة لتغيير هذا الوضع.

وفي السابع من يونيو عرض رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني ارسال قوات البشمركة الكردية لتقديم العون. ووصل هذا العرض إلى المالكي الذي قال زيباري إنه رفضه مرتين عن طريق وزير الدفاع.

وعصر يوم الثامن من يونيو كانت أكثر من 100 عربة تقل ما لا يقل عن 400 مقاتل عبرت إلى الموصل من سوريا منذ بداية المعركة. وقالت الشرطة والجيش إن الخلايا النائمة في المدينة نشطت وهبت لمساعدة المهاجمين.

وقصف المهاجمون مركزا للشرطة في حي العريبي وهاجموا المنطقة المحيطة بفندق الموصل المهجور على الضفة الغربية لنهر دجلة، الذي تحول إلى موقع قتالي لـ30 رجلا من وحدة خاصة من قوات الشرطة.

وخلال ساعات سادت الفوضى قيادة الغراوي. وتقول عدة مصادر عسكرية إن غيدان وقنبر عزلا قائد فرقة بعد أن رفض ارسال رجال للدفاع عن فندق الموصل. ومن الناحية النظرية كان تحت إمرة الضابط المعزول 6000 رجل وكان قائده المباشر هو الغراوي.

ويصف الفريق أول زيباري هذا الأمر بخطأ آخر كبير. ويقول: «في حالة الأزمة لا يمكنك ابدال القائد».

نقطة التحول

بحلول التاسع من يونيو كان العقيد العبيدي من الكتيبة الرابعة و40 من رجاله من بين آخر رجال الشرطة المحلية الذين يقاتلون لصد المتشددين في غرب الموصل. أما الباقون فكانوا إما انضموا إليهم أو هربوا من الخدمة.

وقبيل الساعة الرابعة والنصف عصرا اتجهت شاحنة صهريج عسكرية لنقل المياه صوب فندق الموصل، حيث كان العبيدي ورجاله يرابطون. وأطلقت الشرطة النار على الشاحنة التي انفجرت وتحولت إلى كتلة هائلة من النار والشظايا.

وقال العبيدي الذي أصيب بجرح في ساقه من جراء الانفجار: «لم أشعر بشيء. فقد هز الصوت الموصل كلها لكني لم أسمع شيئا».

وتوعد العبيدي بمواصلة القتال وهو يلوح بمسدسه. ونقله رجال الشرطة إلى زورق لعبور النهر إلى منطقة آمنة. وشهد ضباط عسكريون ومسؤولون محليون بل ومسؤولون أميركيون أدلوا بشهادتهم فيما بعد أمام الكونغرس أن هجوم الفندق هو ما أدى لانكسار الجيش والشرطة في الموصل. وبعد ذلك ذاب الخط الدفاعي في غرب المدينة فلم يعد له وجود.

وبعد حوالي ثلاث ساعات ومع انتشار التقارير عن قيام الشرطة الاتحادية بحرق معسكراتها والتخلص من الزي العسكري، اجتمع محافظ نينوى ومستشاره مع قنبر وغيدان في قيادة العمليات قرب المطار.

عقوبة ربما تصل إلى الإعدام

بحلول أغسطس كان الغراوي عاد إلى مدينته في جنوب العراق ليعتني بأولاده، غير واثق من خطوته التالية. وفي يوم من الأيام تلقى مكالمة من صديق بوزارة الدفاع تبين منه أنه رهن التحقيق لهروبه من الخدمة في الموصل.

وفي الوقت نفسه رقى المالكي قنبر وسعى لحماية غيدان. وبعد استقالة رئيس الوزراء في 15 أغسطس أرغم الرجلان أيضا على التقاعد.

وكان ذلك بمثابة محاولة من حيدر العبادي رئيس الوزراء الجديد للبدء من جديد والسعي لإعادة بناء القوات العراقية.

والآن على الغراوي أن يتحمل المسؤولية عن سقوط الموصل. ويرى بابكر زيباري أن في ذلك ظلم.

وقبل أسبوعين في بغداد قال الغراوي، بذقن غير حليق، وصوت أجش، انه يقبل مصيره أيا كان. وأضاف: «ربما يصدر عفو عني وربما أسجن وربما أشنق».