فيما لا يزال لبنان من دون رئيس للجمهورية لليوم الـ 145 على التوالي، فإن الساعات الأخيرة شهدت انشغال الساحة المحليّة بالمواقف التي أطلقها رئيس تيار المستقبل سعد الحريري من روما، ولا سيما لجهة إعلانه عن قرار العودة إلى بيروت، ما يضع الاستحقاقات الداخلية، وفي الأولوية منها التمديد للمجلس النيابي الحالي، على السكة، برغم التقديرات المتشائمة في الموضوع الرئاسي، بحسب القراءات المتعدّدة.
وإزاء المشهد الرئاسي الذي تكثر تعقيداته، ويبقى نجم اللقاءات والاتصالات والتكهّنات، لا تبدو آفاق المخرج المفترض لإنتاج رئيس جديد متوافرة، ذلك أن المعلومات الواردة من الخارج والمتقاطعة مع معطيات الداخل، لا توحي حتى الآن بإمكان إحداث الخرق المرجو، إذ تبدو قوى 8 آذار ماضية في مسلسل تعطيل الجلسات، إلا اذا توافر التوافق، على قاعدة: إما التوافق أو لا نِصاب، فيما تستمر قوى 14 آذار في تبنّي ترشيح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، على قاعدة: إما جعجع أو لا انتخاب. أما سيناريو تطيير النصاب، فيبقى متربّعاً على عرش جلسات مفترضة حتى إشعار آخر.
علماً أن الحريري كان ركّز، في مواقفه الأخيرة، على أولوية الاستحقاق الرئاسي واستعداده للقيام بمبادرات في هذا الاتجاه، وأضاف: «لقد وصلنا اليوم الى مرحلة التمديد للمجلس النيابي، وهذا أمر لم نكن نريده ولا هو مبتغانا، بل ما نريده هو إجراء الانتخابات النيابية، ولكن أهمّ شيء بالنسبة الينا هو إجراء الانتخابات الرئاسية أوّلاً».
المهل تطرق الأبواب
وفي انتظار اللحظة الرئاسيّة المؤجّلة، وعلى وقع تبادل الاتهامات الداخلية بتعطيل جلسات انتخاب الرئيس، بدأت المهل الدستورية المتّصلة بالانتخابات النيابية تطرق الأبواب، لكون الولاية الممدّدة للمجلس النيابي الحالي (لسنة وخمسة أشهر) تنتهي في 20 نوفمبر المقبل، الأمر الذي يضع القوى السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما: التمديد مجدّداً لمجلس النواب أو إتمام الانتخابات النيابية.
وفي ظلّ المخاوف من أيّ سيناريو يقود المؤسّسات كلها الى الفراغ والشلل، ارتفع منسوب الحديث عن أن مسألة إخراج التمديد للمجلس النيابي الحالي باتت رهن أيام قليلة. فإذا توافرت الآلية الدستورية، من دون حاجة إلى عوامل ضغط سياسية، فإن القناعة المسيحية بعدم الاعتراض والطعن باتت أكبر من أي وقت مضى.
وبحسب المعلومات التي توافرت لـ «البيان»، فإن تمديد الولاية النيابية ينتظر عودة رئيس مجلس النواب نبيه بري من جنيف، ليدعو الى جلسة للمجلس أواخر الشهر الجاري لإقرار هذا التمديد. وسينطلق البحث في التمديد، بحسب المعلومات، من اقتراح القانون الذي قدّمه النائب نقولا فتوش، والقاضي بإكمال عدّة الولاية النيابية الممدّدة، بحيث تمدّد هذه الولاية سنتين وسبعة شهور تنتهي في يونيو 2017، على أن يكون هناك اتفاق جدّي على إقرار قانون انتخابي جديد خلال هذه المدة، وأن تبقى الأولوية قبل التمديد أو بعده لانتخاب رئيس جمهورية جديد قبل أيّ شيء آخر.
التمديد النيابي
أما إذا كان هناك من يريد المزايدة، خصوصا في الشارع المسيحي، أو يملك حسابات أخرى، فإن تيار المستقبل، وبحسب تأكيد مصادره لـ «البيان»، سيعلن مقاطعته للانتخابات النيابية، أي الانسحاب السياسي منها ترشيحاً واقتراعاً، وذلك في نسخة مكرّرة للمقاطعة المسيحية في العام 1992، ما سيلزم رئيس المجلس النيابي نبيه بري وحلفاءه بالسير في مشروع التمديد النيابي، بذريعة الميثاقية التي صارت حجر زاوية في عملية إدارة السلطة في لبنان منذ العام 2005 حتى الآن.
واستناداً الى القراءات المتعدّدة، فإن التمديد النيابي أصبح أمراً محتماً. وفيما الانتخاب الرئاسي لا يزال معلّقاً لأجل غير مسمّى، وسط استمرار الظروف والمعطيات السياسية نفسها التي عطّلت هذا الاستحقاق وتسبّبت بتمادي أزمة الفراغ الرئاسي، فإن شبه التوافق اللبناني- الدولي يتعزّز حول ضرورة انتخاب رئيس توافقي للجمهورية يشكّل نقطة التقاء وعلامة وصل بين اللبنانيين. وهذا لم يتبلور عملياً بعد، ولم يأخذ طريقه الى التحقّق الفعلي، إذ لم يتوصل أحد الى معرفة كيف سيتمّ تذليل عقدة النائب ميشال عون و«حزب الله»، ورفضهما المشاركة في أيّ جلسة انتخابية لا تؤدّي الى وصول عون الى قصر بعبدا.
مشهد شديد التعقيد
وفيما لا تزال الأزمة الرئاسية تراوح مكانها، وضعت مصادر وزارية الحراك الحاصل، سواء في لبنان أو فرنسا أو روما، في إطار البحث عن مخرج للتمديد وليس التفتيش عن حلّ للاستحقاق الرئاسي الذي على ما يبدو يتمّ التعامل معه وكأنه المدخل للتمديد. وفي تقدير المصادر نفسها، أن مسألة الاستحقاق الرئاسي تحتاج إلى وقت طويل، لأن المشهد الإقليمي شديد التعقيد.
من جهتها، يبدو أن قوى 8 آذار تربط موافقتها على التمديد للمجلس النيابي الحالي بانتخاب رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون لاحقاً، وتلوّح بأن الموافقة على هذا الأمر لم يحسم بعد، لا من قبل كتلة الرئيس نبيه بري ولا من كتل «التغيير والإصلاح» و«الوفاء للمقاومة»، الأمر الذي يشي بإمكانية حصول مقايضة أو صفقة، بين التمديد وانتخاب عون.
علماً أن الخشية من احتمال الوصول الى فراغ كامل في السلطة، في حال رفض التمديد وكذلك رفض إجراء انتخابات نيابية مع استمرار الشغور في الرئاسة الأولى، باتت راهناً مع تجدّد الاشتباك السعودي- الإيراني، والاشتباك بين «المستقبل» وحزب الله واستمرار تمسّك عون بأن يكون هو الرئيس أو لا أحد.
قضية العسكريّين المخطوفين
بات ملفّ العسكريّين المخطوفين لدى تنظيمَي «داعش» و«جبهة النصرة» منذ الثاني من أغسطس الفائت، يخضع لكثير من السرية، بدليل أن الأهالي المعتصمين في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت لليوم الثامن على التوالي، التزموا الهدوء داخل خيم الاعتصام، استناداً الى تطمينات المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم بأن الملف يسلك طريقه الصحيح، وأن أيّ أجواء تتصل به ستتبلّغ فوراً إلى الأهالي.