فيما لبنان لا يزال من دون رئيس للجمهورية، لليوم الـ137 على التوالي، ولا يزال ينعم بحدّ أدنى من الاستقرار السياسي والأمني، لا يشبه أبداً صورة المنطقة من حوله، جاءت الأحداث الأمنية التي شهدتها جرود بلدة بريتال البقاعية، مساء أول من أمس، لتعكّر أجواء الهدوء الذي كان مسيطراً على البلاد في عطلة عيد الأضحى المبارك.
وفي ظلّ استمرار الفراغ السياسي، واستفحال أزمة الجنود الأسرى لدى المجموعات الإرهابية، منذ 66 يوماً، حيث قضى أهاليهم العيد على الطرقات التي أقفلوها احتجاجاً، وبعد يومين على حديث قائد الجيش العماد جان قهوجي إلى «سكاي نيوز» البريطانية، والذي توقع فيه انفجار الموقف مجدّداً في عرسال، أغارت «جبهة النصرة» على مواقع لـ«حزب الله» في جرود بعلبك، لجهة السلسلة الشرقية بدلاً من عرسال وجرودها.
وغداة المعارك العنيفة التي شهدتها السلسلة الشرقية في البقاع الشمالي، على أربعة محاور في المنطقة الممتدة من جرود بريتال إلى جرود يونين، وخصوصاً في منطقتَي جرود بريتال المحاذية لقرية عسال الورد السورية، والتلال الواقعة بين بلدتَي نحلة والمعري، وبحسب قراءات مصادر أمنية وسياسية، فإن ما شهدته بريتال حمل مؤشراً حصل للمرة الأولى، وهو أول مواجهة علنية وصريحة بين تنظيمَي داعش وجبهة النصرة من جهة وحزب الله من جهة ثانية، على أرض لبنانية، وفي منطقة معروفة بقوة تواجد الحزب فيها.
أما وصول أفراد من التنظيمين الإرهابيين الى أطراف بلدة بريتال، فقد أتى لصالح هذين التنظيمين، لجهة قولهما إن بإمكانهما الوصول إلى مناطق وقرى لبنانية، ولو أنّ النتيجة كانت عملياً كارثية بالنسبة إليهم إلا أنها معنوياً شكلت نقطة لصالحهم، ذلك أن التوجّس بات أكبر لدى اللبنانيين، خصوصاً في القرى والبلدات القريبة من الحدود.
وجاء الهجوم الذي شنته جبهة النصرة على مراكز لحزب الله في تلال بلدة نحلة المحاذية لبلدة بريتال في السلسلة الشرقية من جبال لبنان ليخرق مناخات الهدوء والحذر، مؤدياً إلى سقوط قتلى وجرحى من الجانبين. بيد أن هذه المعركة التي لم تدم سوى ساعات قليلة، والتي قالت «النصرة» إنها تجدّدت أمس مع صدّ عناصرها هجوماً للحزب، تركت التباساً حول تفاصيلها بين روايتَي الطرفين.
بين روايتين
وبدا من الصعوبة بمكان الخوض في أي تكهنات وخلاصات متسرّعة حيال هذا التطور، في انتظار مزيد من الرصد الميداني لهذه الجبهة، والتي يبدو أنها باتت على صفيح ساخن جداً، بحسب استشراف مصادر أمنية رفيعة، بما سيضع سائر المسؤولين الرسميين والعسكريين والأمنيين وسائر القوى السياسية أمام وقائع ساخنة متحرّكة تملي التعامل معها بواقع استنفار سياسي وأمني وعسكري، تحسّباً لكل احتمالات تجدّد المواجهات أو تمدّدها.
وفي السياق، وفيما تحدثت المعلومات عن أن مواجهات أول من أمس أسفرت عن مقتل قيادي من جبهة النصرة و30 عنصراً على الأقل من المسلّحين المهاجمين في تلك الجرود، إضافة إلى أسر عدد منهم، شيع حزب الله أمس 10 من عناصره قتلوا في جرود بريتال.
شروط تعجيزيّة
إلى ذلك، وفي غياب أيّ جديد على خط المساعي التي يجريها الوسيط القطري مع الخاطفين، تحدثت مصادر مواكبة للمساعي الهادفة لإطلاق العسكريين عن شروط تعجيزية يطرحها الإرهابيون، ليس فقط لناحية إطلاق سراح الموقوفين بعد الهجوم على مراكز الجيش في عرسال في الثاني من أغسطس الماضي، أو وقف الإجراءات بحقّ مخيمات النازحين السوريين، أو الإفراج عن سجناء معيّنين في سجن رومية، بل إن بيت القصيد الذي يسعى إليه الخاطفون هو إيجاد معبر آمن بين بلدة عرسال وجردها، ما يعني انسحاب الجيش اللبناني من بعض المناطق التي بسط سيطرته عليها، ولا سيما في التلال المشرفة على عرسال وعلى المعابر بينها وبين الجرود.
علماً أن الجيش اللبناني أحكم الطوق على المنطقة، وفصل عرسال عن الجرد بالكامل. وبالتالي، فإن الموافقة على فتح المعبر الآمن ما بين عرسال والجرود، معناها فتح الطريق أمام تلك المجموعات لاحتلال عرسال مجدّداً، ووضع المنطقة كلها فوق برميل من البارود، بحسب مصادر مراقبة أشارت لـ«البيان» الى أن الشروط التي يطرحها الإرهابيون جاءت ردّاً على كلام قائد الجيش العماد جان قهوجي، لجهة قوله إن حلول فصل الشتاء يصبّ في مصلحة لبنان والتضييق على المسلّحين، معطوفاً على مطالبة وزير الداخلية نهاد المشنوق بإقامة مخيمات للنازحين السوريين بعيداً عن عرسال.
إشارات
أكدت مصادر رسمية معنية بملف المخطوفين لـ«البيان»، أن الحكومة اللبنانية لن تقدم على أية مبادرة ما لم يرسل الخاطفون إشارات إيجابية تصبّ في مصلحة بدء عملية تفاوضية مثمرة، وعبر وسطاء معروفين. وهذه الإشارات، برأي المصادر، تبدأ بتحديد المطالب وتثبيتها بين الخاطفين كخطوة أولى.البيان