توفي العلامة اللبناني هاني فحص أمس عن 68 عاماً نتيجة مضاعفات مرض في الرئة، لتخسر المرجعية الشيعية نصيراً للحوار بين الأديان ومناهضاً قوياً للتيار الانعزالي المتطرف والطائفي الذي بدأ يتسيد المشهد في المنطقة.

وفحص من رجال الدين القلائل الذين انخرطوا في العمل الحزبي العلني. بدأ حياته السياسية مع حركة فتح عندما استقرت قيادتها في لبنان، وكان مقرباً من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وعضواً في مجلس إدارة المؤسسة التي تحمل اسمه. كما كان مقرباً لفترة من حزب الله، قبل أن تتطور مواقفه الى النقيض، آخذاً عليه انعزاليته ومبالغته في استخدام القوة لفرض رأيه على الآخرين وانتقده مراراً لتورطه في القتال ضد الثوار السوريين.

دراسة وتأليف

ولد في بلدة جبشيت في النبطية جنوب لبنان العام 1946. اشتغل في صباه في مصبغة لتنظيف الملابس وفرن. هاجر الى النجف في العراق العام 1963 ودرس في حوزتها الدينية، ونال اجازة في اللغة العربية والعلوم الانسانية من كلية الفقه في النجف. عاد في 1972 ليستقر في جبشيت وليكون إمام مسجدها. تزوج في التاسعة عشرة من عمره، وله خمسة ابناء ذكور وابنتان.

هو عضو في المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، أعلى مرجعية دينية شيعية في لبنان، وعضو في المؤتمر الدائم للحوار اللبناني الذي اسسه مع النائب السابق سمير فرنجية، ويعتبر منظرا بارزا في مجال مقاربة الاسلام لمواضيع الحداثة.

ترشح الى الانتخابات النيابية مرتين من دون ان يفلح بالوصول الى البرلمان. شارك في منتديات ومحاضرات ومؤتمرات لا تحصى حول حوار الاديان، ويعتبر منظراً بارزاً في مجال مقاربة الاسلام لمواضيع الحداثة. والعلامة فحص أديب وله 14 كتاباً مطبوعاً وثمانية غير مطبوعة ومنها: «ماض لا يمضي» و«ذكريات ومكونات عراقية» و«الشيعة والدولة في لبنان» و«خطاب القلب» و«الحوار في فضاء التوحيد والوحدة» و«لبنانيات سياسية».

ماركس وغيفارا

وشغل المفكر الإسلامي الساحة الثقافية والدينية والسياسية بآرائه المعتدلة. ومن أمثلة اعتداله التي لربما لا يبزرها أي علامة آخر وصفه كارل ماركس بأنه «سماحة السيد الماركسي». كما كان دائم التفاخر بالثائر العالمي ارنستو تشي غيفارا الذي علق صورته في منزله بالنجف.

ولعل المنطقة أحوج ما تكون اليوم إلى فحص وهي تخوض أتون المعارك الطائفية المستعرة في سوريا والعراق ولبنان، التي نالت جل اهتمام العلامة اللبناني البارز، على الرغم من أنه انشغل أيضاً بالهمّ الثقافي العربي وقاد الحوار المسيحي ــ الإسلامي، ورأى أن العرب بحاجة إلى حوار مع الآخر، حتى مع اليهود. وحذر في إحدى المرات من أن ينشأ «جيل اللا دين» إن استمرت الأديان التوحيدية تتصارع فيما بينها وتركت موقعها إلى المتطرفين، وهي رؤى أثبتت صوابها اليوم في ظل الاحتقان المذهبي والتطرف الذي ينتشر في المنطقة من قِبل جميع الطوائف والأديان.

وكان لفلسطين مكانة كبرى في قلب العلامة فحص الذي عبر عن عروبته في إحدى المرات بالقول: «الهوية تشكل بالنسبة إليّ تداخلاً عربياً، بل هي الحيوية التي أتحرك من خلالها». كما حذر من تحويل الأقليات في المنطقة العربية إلى «هوامش ملغومة»، داعياً إلى اعتماد الوحدة الوطنية سبيلاً للآفات الطائفية.

 ولعل مواقف وحياة فحص تتلخص في تصريحه التالي: «كل المثقفين المتعصّبين للشيعة اليوم كانوا شيوعيين، هؤلاء مرضى بالموقف الشمولي، مسكونون بستالين ويبحثون عن ستالين آخر دائماً».

سيدة الجبل

نعى لقاء «سيدة الجبل»، وهو تجمع سياسي ابرز اركانه من قيادات قوى 14 آذار المناهضة لحزب الله ودمشق، العلامة فحص، والذي كان ايضا من مؤسسيه، ووصفه بانه «فقيد الإنسانية الصافية البعيدة عن الغرائز والمذهبيات والعصبيات القاتلة».