في إفادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، فاجأ رئيس الأركان الجنرال مارتن دمبسي، المراقبين بكشفه عن جوانب وتوجهات محتملة، كان الاعتقاد بأنها غير واردة في خطة المواجهة مع «داعش». أهمها كانت إشارته إلى إمكانية العودة الميدانية إلى العراق. ثم إشارته الأخرى حول داعش العراق «الذي يمكن القضاء عليه»، وداعش سوريا «الذي يمكن إعطابه وتعطيله» فقط.

كلاهما يتناقض مع ما رسمه الرئيس في خطابه الشهير قبل أسبوعين، إذ تعهد بعدم الزج بقوات ميدانية في هذه المعركة، كما التزم بالقضاء على هذا التنظيم في كل من العراق وسوريا معاً.

الممنوع الأساسي

في حال فشلت الترتيبات العسكرية الجاري إعدادها في تحقيق أغراضها، يقول دمبسي إنه سيعرض الوضع على الرئيس، مع الاقتراح بإرسال قوة قتالية إلى المسرح العراقي إذا اقتضى الأمر.

لأول مرة يتحدث مسؤول بهذا المستوى عن احتمال إعادة النظر بالممنوع الأساسي في خطة أوباما الداعشية، كما عن الفصل بين الساحتين العراقية والسورية في هذه المواجهة. ومن المستبعد ألا يكون الرئيس قد وضع مسبقاً في جو هذا الانعطاف الذي يؤشر إلى تحول استراتيجي في مواجهة لا يبدو أن هناك رجعة فيها.

وفي ذات الوقت، هو مؤشر على بداية تصعيد في العمليات. يعزّز هذه القراءة أن كلام المرجع العسكري الأول بعد الرئيس أوباما، جاء بعد ساعات من قصف أحد مواقع «داعش» القريبة من بغداد، في عملية اعتبرت نقلة نوعية في الحملة الجوية الأميركية.

والأهم أن كلامه جاء غداة مؤتمر باريس الذي فشل، حسب مختلف التقديرات الأميركية، في إبرام عقد التحالف الدولي المنشود. وكأن ذلك جاء كرد على تعثر جهود الإدارة لإقامة الجبهة وفق مواصفاتها.

فجوة كبيرة

منذ بدأ وزر الخارجية الأميركي جون كيري جولته، والتساؤلات في واشنطن تتوالى مع كثير من الشكوك، حول إمكانية وضع مشروع أوباما موضع التنفيذ، كما حول تركيب التحالف الذي عقد الرئيس رهانه عليه.

الخطة تشوبها فجوة كبيرة من الأساس: غياب قوات قادرة على الأرض. من البداية كان واضحاً أن فعالية القصف الجوي مرهونة إلى حد بعيد بحصول تنسيق مع قوات ميدانية تقوم بعمليات المطاردة والتمشيط في المواقع المستهدفة.

الإدارة أعفت نفسها من هذا الموجب. افترضت أن القوات العراقية الخاصة والبشمركة والجيش السوري الحر، يمكنها أن تنهض به. لكن هذه تحتاج إلى وقت للتجهيز والتدريب. ذهب كيري ليبحث عن البديل في صفوف التحالف.

لكن هذا الأخير مخلخل أصلاً. حتى أقرب حلفاء واشنطن الأوروبيين، ترددوا وتملصوا. في النهاية، جاء كيري بوعود غير واعدة. الثقة بين الأطراف المتحالفة ضعيفة. وأحياناً معدومة. بعض الأوساط الأميركية حمّلت «الانقسام العربي» مسؤولية تعقيد عملية حبك التحالف.

آخرون ربطوا التعقيد بالإصرار الروسي على ضرورة التنسيق مع إيران. لكن العطب الأساسي في واشنطن ومقاربتها للموضوع: «هم – أي العرب – ليسوا حاضرين، لأننا نحن غير حاضرين» كما يقول وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر.

احتواء الضغوط

بيكر واحد من فريق كبير، في الكونغرس، كما في أوساط المختصين من خبراء ودبلوماسيين وعسكريين سابقين، لديه قناعة بأنه لا فكاك من وجود أميركي ما على الأرض. كلام رئيس الأركان يعكس وصول هذه القناعة إلى أهل القرار.

 إلا إذا كان ذلك من باب احتواء الضغوط في هذا الاتجاه. وهذا غير مستبعد. فالرئيس أوباما معاند من حيث المبدأ. لكن في نفس الوقت، صدقيته على المحك. خياره الإجباري مهّد له دمبسي، بحيث يكون إخراجه على نسق موافقته على التصعيد في أفغانستان عام 2010، عندما قال إنه يوافق على تعزيز القوات بإرسال 30 ألف جندي «تلبية لتوصية العسكريين». سيناريو مرشح للتكرار في الحالة الراهنة.