ما ينتظر من التحالف الدولي الذي يضم نحو 40 دولة في مقارعة تنظيم «داعش» في سوريا على الصعيد المحلي، هو كيفية بلورة مسار آلية التنسيق والتعاون مع الفصائل المعارضة المعتدلة التي ستكون مرشحة في تأدية دور الذراع الميداني في وجه «داعش» على الأرض بعدما أستبعد النظام السوري من التحالف.

والتساؤل الأكثر أهمية في هذا السياق، يتمثل في ماهية الشروط المطلوبة بغرض التغلب على العثرات الماضية وتعزيز فعالية وقدرات المعارضة المعتدلة التي تكبدت إلى وقت قريب ضربات موجعة على يد النظام السوري وتنظيم داعش، علاوة على عمق المشاكل البنيوية التي رافقت مسيرة ولادتها من استفحال ظاهرة التشتت والانقسام الداخلي، وتبعثر الفصائل المسلحة بفعل تعدد مصادر الدعم الخارجي.

يبدو أن التحالف الدولي المعلن يدرك مخاطر هذه الإشكاليات بشكل جيد، وعدم الوقوع في مصيدة الأخطاء الماضية يمثل الشعار الرئيسي في المرحلة الجديدة والتي أعلنت عنها الولايات المتحدة الأميركية في ضرورة إعادة تأهيل المعارضة المعتدلة من ناحية التنظيم والتدريب وتوحيد الفصائل المتبعثرة ضمن كيان قوي يملك مقدرة عسكرية من ناحية العتاد النوعي يراد من خلالها لجم نفوذ «داعش» والنظام معاً.

فصائل معتدلة

الحامل الرئيسي والذي سيحظى بالدعم الدولي رسمياً يتجسد في تلك الفصائل التي تدخل ضمن خانة الاعتدال، وتقر في خياراتها المستقبلية بضرورة إحقاق الدولة المدنية التعددية، ومن بين تلك القوى الثورية على سبيل المثال، تتقدم جبهة ثوار سوريا بقيادة جمال معروف وحركة حزم ولواء التوحيد وأفرعها المنتشرة في ريف حلب وإدلب.

فضلاً عن وحدات حماية الشعب الكردية التي أعلنت قبل أيام قليلة منصرمة غرفة عمليات مشتركة مع مجموعة من فصائل تنضوي تحت لواء الجيش الحر في منطقة عين العرب «كوباني» تحت يافطة «بركان الفرات» تمهيداً لمحاربة «داعش» في كل من حلب وريفها والرقة وريفها.

التقارب بين الفصائل الكردية والثورية المعارضة لا يخالف فحوى التصريحات الأميركية التي جاءت على لسان الرئيس الاميركي باراك اوباما لاستهداف التنظيم في المنطقة. الأمر الذي يضع التحالف المعلن عنه في خانة الاصطفاف الدولي المؤيد بطبيعة الحال لهكذا خطوة.

كما أن نجاعة فعالية وحدات حماية الشعب ضد «داعش» طيلة عام مضت، وتلاشي خلافات جوهرية مع الفصائل الثورية المعتدلة على شاكلة الاقتتال المتبادل بين الطرفين، سيدفع نحو تشكيل التعاون والتنسيق المشترك كنوع من التوافق البراغماتي بين الطرفين على أقل التقدير.

عقبة الاصطفاف

العقبة الوحيدة التي تواجه هذا الاصطفاف المحلي والذي يحاكي تطلعات التحالف المعلن، تتمثل في المحاذير التركية، ذلك أن انفتاح المجتمع الدولي على وحدات حماية الشعب الكردية القريبة التوجه من حزب العمال الكردستاني، سيضاعف الضغط على الحكومة التركية التي تسير بخطوات حذرة من الملف الكردي الذي يشكل قضية مستعصية أمام الرئيس رجب طيب أردوغان وفريقه.

ويُحتمل أن الرفض التركي بعدم توقيع على الانخراط ضمن التحالف المتشكل في البيان الختامي الصادر في جدة بذريعة احتجاز «داعش» دبلوماسيين اتراك في الموصل لا يعكس الصورة الحقيقة لدى الأتراك.

رغم أهمية هذا الأمر في زعزعة صورة نظام الحكم التركي وإحراج أردوغان وخلفه أحمد داود أوغلو أمام الرأي العام فيما لو ارتكبت «داعش» حماقة ذبح الرهائن الأتراك كردة فعل على مشاركة الأتراك في التحالف المعلن.

حشد تركي ظاهري

ظاهرياً، تحشد تركيا نفوذها الدبلوماسي في عرقلة التوافق الدولي مع القوات الكردية في سوريا والعراق، ويرجع المحللون هذا التعامل التركي الغير المنسجم مع الرؤية الدولية إلى تكريس تعميق الهوة بين تركيا وحلفائها في حلف شمال الاطلسي (الناتو).

ونشرت بعض التقارير أن باراك أوباما على هامش مؤتمر الناتو الأخير حذر أردوغان بضرورة أن يكون في صف الناتو وأن لا يكرر السقطة التركية إبان دخول قوات التحالف إلى العراق في العام 2002، نظراً أن المصالح الغربية الراهنة تتطلب حدا من خطورة «داعش» بأي ثمن .

ولا تقبل عرقلة هذا المسار كرمي أجندات داخلية صرفة تتعلق بالمخاوف التركية التاريخية، وخاصة أن القوات الكردية السورية أثبتت قدرات بارعة في صد هجمات تنظيم داعش داخل سوريا والعراق وهي مرشحة أن تكون نواة محورية في التحالف المحلي ضد التنظيم الارهابي وربما النظام في قادم الأيام.

التقاء المصالح

ثمة ثغرات قد تبنى عليها المواقف من أجل إدراك خيوط الموقف التركي الرسمي من التحالف المعلن والقوات الكردية معاً، فالحذر والحيطة المبالغ فيه من الجانب التركي قد لا يفصح عن الموقف الحقيقي، ذلك أن الكثير من التقارير الإعلامية التركية والتصريحات الرسمية قد لوحت في الآونة الأخيرة بظهور معطيات ذاتية وموضوعية تبشر بولادة المحور التركي- الكردي بفعل التقاء المصالح الإستراتيجية بين الطرفين.

وما يدعم هذا التصور هو إصرار الدولة التركية المضي قدماً نحو حل القضية الكردية بطريقة سلمية مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المسجون في جزيرة إيمرالي واعتبار القوات الكردية بمثابة حاجز الحماية الحدودية في مواجهة مخاطر «داعش».