طلب آلاف المسيحيين العراقيين اللجوء إلى فرنسا بعدما شجعهم على هذه الخطوة إعلان باريس الذي أعطى الأولوية لاستقبال الأقليات المضطهدة من تنظيم داعش، غير أن الطريق للخروج من العراق قد يكون طويلاً.
ولجأ قسم كبير من هؤلاء النازحين إلى كردستان العراق حيث أقاموا في ظروف بائسة في الغالب في مخيمات أو مدارس تحولت إلى ملاجئ.
ولم تعد العودة لديارهم تخطر ببالهم إلا أحياناً، على غرار سالم المتحدر من قرة قوش المدينة المسيحية الكبرى في العراق التي استولى عليها تنظيم داعش المتطرف مطلع الشهر الماضي.
وقال هذا الرجل اللاجئ في إحدى مدارس أربيل بشمال العراق: «لا أريد العودة إليها بل أريد الرحيل إلى أوروبا». وهو يأمل أن يمر أولاً عبر الأردن «في انتظار أن تجد الأمم المتحدة له مكاناً آخر». وقدم آلاف آخرون طلبات لجوء إلى فرنسا.
وفي القنصلية الفرنسية العامة في أربيل عاصمة كردستان العراق المدرجة ضمن محطات زيارة الرئيس فرنسوا هولاند أمس تتوالى المقابلات مع طالبي اللجوء. لكن يستحيل معرفة كم من الملفات ستتم معالجتها ولا على أساس أي معايير، فالقنصل أو مستشاروه ليس لديهم متسع للوقت للرد على الأسئلة.
وتشير تقديرات جمعية مساعدة الأقليات في الشرق إلى أن نحو عشرة آلاف مسيحي عراقي قدموا ملفات إلى القنصلية في أربيل منذ بدء هجوم تنظيم داعش في العراق قبل ثلاثة اشهر.
واستولى هذا التنظيم الناشط أيضا في سوريا المجاورة على مناطق كاملة في العراق خاصة الموصل ثاني مدنها التي يقطنها عدد كبير من المسيحيين أو قره قوش مما دفع عشرات آلاف الأشخاص للهروب.
وتفيد شهادات لاجئين بأن مقاتلي التنظيم المتطرف اجبروا المسيحيين على الخيار بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو هددوهم بقتل عائلاتهم.
وأمام هذا الوضع أعلنت الحكومة الفرنسية أواخر يوليو الماضي عزمها على تشجيع استقبال الأقليات المضطهدة.
وفي الوقت الحاضر استقبل نحو 50 مسيحياً عراقياً فقط في فرنسا بحسب جمعية مساعدة الأقليات في الشرق التي طالبت أثناء مؤتمر صحافي في مجلس الشيوخ بتسريع العملية.
رغبة مشكوك فيها
لكن بعض الجمعيات تشكك حتى في رغبة الحكومة الفرنسية في استضافة هؤلاء النازحين. وعبرت المسؤولة عن برامج اللجوء في الجمعية المسيحية لمكافحة التعذيب ايف شهشهاني في اتصال هاتفي عن خشيتها من «مفعول الإعلان». وقالت: «إننا سعداء للـ40 شخصاً الذين استقبلوا أمام الكاميرات قبل بضعة أسابيع» من قبل وزير الخارجية لوران فابيوس «لكن لم نر منذ ذلك الحين كثيرين آخرين».
واعتبر فرج بونوا كامورا من منظمة الأخوة غير الحكومية في العراق ان فرنسا لن تتمكن في مطلق الأحوال من «استقبال عشرة آلاف لاجئ». وبعد أن أشار إلى «أن عشرات آلاف العوائل غادرت منازلها» دعا إلى «تكثيف المساعدة الإنسانية» بغية أن «يتمكن هؤلاء الأشخاص من العودة إلى قراهم قبل الشتاء».
لكن مسألة إبعاد المسيحيين تبقى موضوعاً حساساً. ورغم دعوة العديد من الجمعيات والسياسيين الفرنسيين، في اليسار أو المعارضة، إلى مساعدة الأقليات المسيحية فإن تصور العراق خالياً من مسيحييه أمر مثير للقلق لا سيما ان عدد العراقيين المسيحيين في العراق تراجع بشكل كبير منذ الاجتياح الأميركي في 2003 وأعمال العنف الدموية التي تلت الغزو.
تراجع عدد المسيحيين
فقبل العام 2003 كان اكثر من مليون مسيحي يعيشون في البلاد، اكثر من 600 ألف منهم في بغداد و60 ألفاً في الموصل، لكن أيضا في مدينة كركوك النفطية (شمالاً) وفي مدينة البصرة جنوباً. غير أن عددهم انخفض إلى حد كبير ولم يكن سوى نحو 400 ألف أواخر يوليو الماضي في كافة الأراضي العراقية.