في خطابه حول استراتيجيته لتدمير «داعش»، والذي جاء عشية الذكرى 13 لعمليات 11/ 9. بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما وكأنه خرج إلى حدّ ملحوظ من دائرة التردد إلى دائرة الفعل، ولو النسبي. أقدم على ذلك بالاضطرار.
دفعته إليه «داعش». كان عند توقعات المراقبين إجمالاً. حظيت كلمته بشبه إجماع، ولو مع بعض المآخذ والتساؤلات. بقيت بعض جوانب خطته في الضباب. ربما لإرباك الخصم، أو لأن مكوناتها وتفاصيلها غير مكتملة بعد. بمقاييس أوباما، كانت بمثابة تحوّل، وفق ما أجمعت عليه الردود الأولية في واشنطن.
وضوح وارتياب
الجديد أن أوباما حسم بخصوص ملاحقة هذا التنظيم في سوريا. نقطة كانت موضع جدل وغموض. البيت الأبيض كان غير واضح بشأنها. كانت لديه خشية من أن يؤدي ضرب «داعش» في الجانب السوري، إلى تقوية نظام بشار الأسد.
المشكلة الثانية، والتي يبدو أنها ما زالت عالقة، أنه ليست هناك قوات على الأرض في سوريا لتقوم بالملاحقة الميدانية لقوات التنظيم بعد قصفها من الجو. عقبة ستفرض، بحسب المراقبين، تأجيل العمليات الجوية فوق سوريا. على الأقل ليست متوقعة في القريب العاجل.
ما زالت الإدارة تأمل أن يؤدي إقامة التحالف، إن لم يكن إلى سدّ هذه الثغرة، فعلى الأقل إلى تهوينها. لكن ليس ذلك بالأمر اليسير، في ضوء ما يبديه حلفاء كثيرون من «ارتياب» لناحية مدى جدّية واشنطن وعزمها على المضي في المعركة، على ما يقول بعض العارفين بشؤون المنطقة.
الجيش الحر
لذلك تراهن واشنطن في المدى الأبعد على الجيش السوري الحر، بعد استكمال تأهيله وتسليحه. ذات الطرف الذي بقيت عازفة عن تسليحه لمدة ثلاث أعوام. الآن، هي تستعجل الكونغرس لكي يوافق على مشروعها بتخصيص 500 مليون دولار لهذا الغرض. لكن عملية تجهيز الجيش الحر يلزمها عدة أشهر، حتى لو أقر الكونغرس المشروع الآن. لذلك، يبدو في ضوء غموض أوباما في هذا الخصوص، أن ضرب «داعش» في سوريا مؤجل. على الأقل ليس وشيكاً.
وثمة تخوف من هذا التأجيل. الضغط العسكري المتصاعد، كما هو متوقع، على «داعش» في العراق، وترك خلفيته السورية مفتوحة أمام تراجعه، يحول دون تحقيق الغرض. هذه الفجوة تركها أوباما معلّقة. كان قاطعاً كالعادة، بأنه لن يرسل قوات أميركية إلى مسرح القتال.
لكنه لم يفصح بشأن البديل. استحضر مطاردة «القاعدة» في اليمن والصومال، ليوحي بأن نفس النسق قد يجري اتباعه في سوريا. تشبيه أثار تساؤلات وشيئاً من القلق، باعتبار أن كلّ من التجربتين ما زال يجرجر منذ أكثر من ستة أعوام، ومن دون علامة خلاص في الأفق.
حبل مشدود
وفي خطابه، مشى أوباما على حبل مشدود. خاطب الرأي العام الأميركي لشدّ عصبه وتطمينه. بعث بإشارات لتعزيز جديته، مثل عزمه على تسليح القوات الحليفة، وإرسال 475 من الخبراء العسكرين الإضافيين. التزم بالمواجهة المفتوحة، لكن على طريقته: حملة طويلة المدى، تتولى فيها واشنطن الدور العسكري الجوي والمساندة غير القتالية، على أن يقوم الآخرون بعمليات الاشتباك المباشر.
يدعمه في ذلك أكثر من 70 في المئة من الأميركيين. حملته إلى حدّ بعيد، استجابة لمثل هذا التأييد الذي تحول إلى مطلب بعد قتل الصحافيين الأميركيين. في ضوء ذلك، بدا خطابه أقرب إلى خطوة أولى أو إلى أسس أولية لاستراتيجية مفتوحة على الاستكمال والتطوير.
الثابت أن أوباما الذي غادر العراق على عجل، ورفض تسليح «المعتدلين» في سوريا طيلة الأعوام الماضية، يدفع الآن ثمن هرولته وعزوفه، من خلال العودة العسكرية المرغمة إلى الساحتين.
تغيير
قالت جين هارمان عضو الكونغرس السابقة، التي كانت ضمن مجموعة من خبراء الأمن القومي، حضرت عشاء مع باراك أوباما في البيت الأبيض الاثنين الماضي، إن الرئيس الأميركي ما زال يعتقد أنه اتخذ القرار السليم قبل عامين، عندما رفض اقتراحاً من كبار المستشارين بتسليح المعارضة السورية.
وقالت: «أعتقد أنه يعتقد أن العالم تغير. والتغير الكبير هو داعش». رويترز
