صعود وهبوط ثنائية حكمت علاقات مصر مع قارة إفريقيا على مر العصور. ففيما بلغ الدور المصري في القارة ذروته في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تراجع تدريجياً بعد تولي الرئيس محمد أنور السادات، منتقلاً إلى ما يشبه القطيعة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، بينما وصلت العلاقات إلى أسوأ مراحلها في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي بسبب أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، ما جعل الرئيس عبد الفتاح السيسي يوجه الأنظار إلى استعادة دور مصر في إفريقيا بعد وصوله سدة الحكم.

وبشأن تحركات مصر تجاه إفريقيا، يقول مساعد وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الخير في تصريحات لـ «البيان»:«منذ أن عادت مصر إلى الاتحاد الإفريقي، ثم مشاركة الرئيس السيسي بمؤتمر القمة الإفريقية، وحالياً المساعي المصرية لحل الأزمات العالقة بطرق دبلوماسية وأبرزها أزمة سد النهضة الإثيوبي، كلها تحركات بعثت برسالة ضمنية إلى الأفارقة أن مصر لديها النية لمد جسور التعاون واستعادة الدور المفقود، خصوصاً دول حوض النيل».

أفكار تنمية

ويشير أبوالخير إلى أن «مصر تسعى للتعاون الإفريقي في كل المجالات، حتى أزمة سد النهضة الذي تسعى إثيوبيا من خلاله لمشاريع تنمية»، لافتاً إلى أن «مصر أبدت عدم اعتراضها عليه بل وعرضت التعاون في مشروعات التنمية، شريطة التزام إثيوبيا بالمواصفات المطابقة لتقرير الخبراء وألا يخل ذلك بالاتفاقيات السابقة».

ويرى أن «لدى مصر نوايا وأفكار للتنمية في إفريقيا، من ضمنها التبادل التجاري من خلال إنشاء محاور ببعض الدول تتضمن محور تجاري لوجستي في شرق القارة، ما يفتح الباب لجلب الاستثمارات. ووفق مراقبين، فإن التوجه المصري نحو إفريقيا «جاء مدعوماً برؤية رئيس يقرأ المستقبل»، مشيرين إلى أن «السيسي آمن بضرورة التوجه نحو إفريقيا واستيعاب القاهرة لدول القارة، لا سيما وأن إفريقيا تذخر بالثروات التي يمكن استخدامها في تعاون اقتصادي واسع».

تثمين تحرك

بدوره، يثمن رئيس وحدة حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات هاني رسلان تحركات السيسي الأخيرة في إفريقيا، إذ وصفها بـ «المبشرة وتأتي تأكيداً على حرصه استعادة الدور المصري في القارة من جديد، لاسيما في ظل التنافس الدولي والإقليمي على خلق نفوذ فيها من خلال التعاون سياسياً ودولياً عبر دعم القضايا الإفريقية في المحافل الدولية، وعسكرياً بمساهمتها في قوات حفظ السلام وحل النزاعات، واقتصادياً بتنشيط التعاون التجاري».

أولويات توجه

وحول أولويات مجالات التعاون في المرحلة المقبلة، يُشدد رسلان في تصريحات لـ«البيان»، على «ضرورة تقسيم التوجه المصري تجاه إفريقيا إلى دوائر وأولويات واضحة للتحرك عبرها»، لافتاً إلى أن «الأولوية حالياً للتوجه إلى دول حوض النيل والسودان لحل القضايا العالقة مثل أزمة سد النهضة الإثيوبي وقضية حلايب وشلاتين، ثم إلى الكتلة الإسلامية في غرب إفريقيا، يعقبها إيجاد علاقة إيجابية مع جنوب إفريقيا ونيجيريا، ما سيخلق التناغم بين مصر والقارة، ويجعل التحركات تسير بخطى جيدة من خلال استراتيجية واضحة».

عودة مقعد

مثلت عودة مقعد مصر في الاتحاد الإفريقي بداية الرجوع لأحضان القارة، أعقبها لقاءات واجتماعات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع عدد من المسؤولين الأفارقة، فضلاً عن حضوره القمة الإفريقية واتصالاته لحل أزمة سد النهضة، وهي تحركات تؤرخ لمرحلة جديدة من العلاقات وخلق فرص للتعاون، وفتح بوابة جديدة لمصر لاستعادة دورها على أسس واستراتيجية جديدة تعمق التعاون لا سيما في مجالات الحفاظ على السلم والاستقرار. البيان