كثرت المداولات الأميركية في الآونة الأخيرة بشأن تمكين السنّة المعتدلين في سوريا، وذلك بغرض الانقلاب على تنظيم داعش في اللحظة الحاسمة، وضرورة ملء الفراغ السياسي المفترض، مترافقاً مع الضربات الجوية الأميركية ضد قواعدها المنتشرة في العراق وسوريا.
هذا السيناريو الذي بدأ فعلياً يندرج ضمن الخيارات الأميركية في العراق، يواجه معضلة في الشق السوري، فالكتلة الاجتماعية السنية التي تتميز بالطابع العشائري تفقد خاصية المقاومة ضد التنظيم نتيجة الضربات المتلاحقة التي تلقتها أخيراً في محاولات التخلص من هيمنة داعش.
ومن الواضح أن هذا التصور يعتبر استئصال التنظيم من جذوره لا يمر من البوابة العسكرية المحضة. ويتطلب ذلك تكرار مساعي العشائر السنية التي ثارت على التنظيم عند دخوله إلى العراق سابقاً في 2007 مرة أخرى، على أن تلقى الدعم المالي والعسكري في كل من العراق وسوريا.
ويحتاج السنة إلى الاقتناع بأن مثل هذا البرنامج ينطوي على احتمالٍ كافٍ بالنجاح، ليخاطروا بحياتهم وبحياة عائلاتهم. وهذا يتطلب قبل كل شيء إعادة تشكيل «المجلس العسكري الأعلى» كقوّة مضادة للتطرّف بشكلٍ واضح، مع مشاركة المزيد من زعماء القبائل وقادة من الجماعات التي تم فحصها وتقييمها.
إضعاف التنظيم
ولم يكن من المستغرب أن تكافح الإدارة الأميركية لتقرر ما عليها فعله حيال «داعش» في سوريا. فهي تريد إضعاف التنظيم من دون أن تقوي بشار الأسد، على ألا تنجر إلى الحرب الأهلية السورية.
غير أن استراتيجية التجنب في سوريا لم تعد مسوغة، ولا بد للعشائر السنية التي ثارت على التنظيم عند دخوله إلى العراق سابقاً في 2007، أن تكرر ذلك مرة أخرى، على أن تلقى الدعم المالي والعسكري الذي يؤهلها للثورة.
ويقول أحد زعماء عشيرة البوسرايا في دير الزور إن «سياسة داعش اعتمدت على الجناح الدعوي الذي قدّم أفضل عرض، باستثمار حقول نفطها موقدة نار الفتن بين العشائر».
وأشار إلى أن «القضية تتجاوز كلمة عشيرة والنيل من هيبتها، فالعشائر متنافسة في ما بينها على مدخول النفط الذي لا تعم منافعه على القبيلة الواحدة، ما دفع عدداً من العشائر إلى اتخاذ موقف حيادي كونها خارجة عن نطاق المنفعة، منها البوسرايا ذاتها». وبايعت العديد من العشائر تنظيم داعش، مثل البوعزالدين العقيدية، وقبيلة البقارة التي يتزعمها المعارض نواف البشير.
هجوم العشائر
واخترقت انتصارات «داعش» الحدود العراقية - السورية، متخلصةً بذلك من خطر «النصرة» في البوكمال التي رضخت أخيراً لسلطة «داعش»، وهذا ما تم توثيقه من جانب المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وإثر ذلك قامت الكتائب المسلحة مدعومة بالعشائر التي هجرتها «النصرة»، بتوحيد الصفوف للدخول باشتباكات مباشرة مع «داعش» ومبايعيه على أطراف البوكمال، رافق ذلك لوم زعيم عشائر البوجامل لزعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني، لذا لا غرابة في تبديل العشائر ولاءاتها من هذه الجهة إلى تلك، فما يهم المجتمع العشائري بطبيعته هو الحفاظ على مصالحه الخاصة الاقتصادية والأمنية والثقافية أيضاً، لذلك تسعى العشيرة دائماً إلى الحفاظ ما أمكن على شكل من أشكال الاستقلالية.
طبيعة العشائر
يريد زعماء العشائر ضماناً لنفوذهم، وأن يتم الحفاظ على مصالح العشيرة عن طريقهم ومن خلالهم، وهم بعيدون عن السلطة المركزية، لذلك لا بد لهم من الحفاظ على مقاليد السلطة داخل القبيلة بين أيديهم مهما كلف الأمر.
في واقع الأمر، إن شبكة المصالح الداخلية للعشيرة هي ما يرسم شبكة ولائها للسلطة الخارجية، وهذه المصالح لا تصطدم مع السلطة المركزية بأكثر من اصطدامها بمصالح العشائر الأخرى المجاورة لها. لهذا، لن يكون هناك ما يمنع من انتقال ولاء العشيرة من هذه السلطة إلى تلك، وهو يجب أخذه في عين الاعتبار عند وضع استراتيجية الحرب على «داعش».