من المفترض أن يعلن الرئيس الأميركي باراك اوباما خلال الأسبوع الجاري، استراتيجيته المرتقبة في التصدي لتنظيم داعش.

ومهما تضمنت هذه الاستراتيجية من إجراءات عسكرية سريعة، فإن فرص اقتلاع التنظيم تبدو غير سهلة، في ظل الإمكانات المالية والعسكرية الضخمة لدى التنظيم، والأهم وصوله إلى الاكتفاء الذاتي منذ توسيعه نفوذه معتمداً على قناعة عدم التدخل الدولي سوريا، خصوصاً منذ صفقة الكيماوي مع النظام.

أمام واقع تجذر التنظيم، بمعنى التمكين، أجمعت المواقف التي صدرت من الولايات المتحدة منذ ذبح الصحافي جيمس فولي أن توسيع العمل العسكري إلى سوريا لن تكون له نتائج حاسمة إذا لم يكن هناك تعاون من السنة في سوريا والعراق. ووجه أعضاء جمهوريون وديمقراطيون في الكونغرس انتقادات حادة للرئيس الأميركي على نهجه المرتبك في التصدي لـ«داعش».

السياسة الخاطئة

صحيح أن هناك قسماً كبيراً من السنة الواقعين تحت حكم داعش يرفضون وجود التنظيم، إلا أن العقاب الجماعي الذي لحق بعشائر انتفضت ضده تجعل من التفكير في تكرار التجربة أمراً خارج الخيارات الذاتية للسكان، واستنجاد أوباما بالسنّة فيه ما فيه من نكران لمراجعة السياسة الخاطئة المتبعة في سوريا والتي كان لها الدور الأساس في تعشش التنظيم.

في أغسطس من العام الماضي، قصف النظام غوطة دمشق بالسلاح الكيماوي، وجرد أوباما قوة لمعاقبته على تجاوز «الخط الأحمر»، مضت فترة أقل من شهر حتى خرج إلى العلن ما عرف بـ«صفقة الكيماوي» التي تخلت الإدارة الأميركية بموجبها عن توجيه ضربة للنظام.

قبل النظام الثمن لأنه الأكثر دراية بتأثيرات تلك الضربة فيما لو وقعت. لكن هناك جهة أخرى تنفست الصعداء حينما تراجع أوباما، وهي التيار المتشدد الذي ينتظم في كل من جبهة النصرة و«داعش».

تفيد تقارير وردت من سوريا في تلك الفترة أن أعضاء التنظيمين أجروا تغييرات ميدانية سريعة على تحركاتهم، وبات اعتمادهم على الاتصالات معدوماً لكي لا تلتقط أجهزة الاستخبارات أماكن وجود قيادات المتشددين. كان هؤلاء متيقنين أن الضربة ستكون موجهة لطرفين، لهم وللنظام.

جائزة الكيماوي

تنفس الأسد وأبوبكر البغدادي الصعداء. كانت صفقة الكيماوي بمثابة جائزة كبرى لـ«داعش»، لأن أي تدخل يقتضي هندسة الساحة الميدانية بحيث تكون الغلبة للقوى التي لا ترى في الأميركيين العدو الأكبر (الجيش الحر)، وهو ما كان يعني حرباً على التنظيم الذي كان غير مترسخ بعد في المناطق التي كانت تحت يده.

اليوم يسيطر التنظيم على مساحة تعادل بريطانيا، ولديه من المقاتلين ما لا يقل عن 70 ألفاً على أقل تقدير، من بينهم نحو 15 ألف من العرب والأجانب، وثروة نقدية بحدود مليار ونصف المليار دولار في ازدياد يومي بمقدار ثلاثة ملايين من بيع النفط. وأسلحة أميركية تقدر بمليار دولار حصل عليها في معارك الموصل.

لدى مراجعة ورصد القوة المستديمة التي باتت لدى التنظيم، فإن النتيجة الحتمية تأخذنا إلى صفقة الكيماوي التي أطلقت يد «داعش» في شمال وشرق سوريا، وأعادت إطلاق يد النظام في كل سوريا. وهكذا أنقذت صفقة الكيماوي التي أنجزها أوباما كلاً من الأسد والبغدادي، ووفرت بيئة ليردد أنصار التنظيم: باقية وتتمدد.

تقديرات

من غير المرجح أن تسفر الضربات على تنظيم "داعش" إلى اقتلاعه من المنطقة، فالتصريحات الأميركية تتحدث عن عدم السماح للتنظيم بالانتقال والتمدد إلى دول أخرى. قد يكون أقصى ما ستقدمه الاستراتيجية الأميركية هو إبقاء التنظيم في المناطق التي يسيطر عليها.