لا أحد ينكر أهمية ودور التدخل الجوي الأميركي في العراق، ولا سيما في مناطقه الشمالية التي يسيطر عليها تنظيم «داعش»، إلا أن الكثير من المراقبين يرون أن هذا الدور معنوي أكثر من كونه مادياً، وأنه سيبقى محدوداً، لوقف تمدد المتشددين، وربما يُحدث تخلخلاً نفسياً لديهم، فيما يعزز الجانب النفسي لدى القوات الحكومية والبيشمركة، وسواهم.

والتساؤل المطروح الآن هو: ماذا بعد الضربات الجوية؟ في ملاحظات أولية، إن تنظيم داعش انسحب من منطقة سد الموصل، وبعض المناطق داخل محافظة نينوى، وبخاصة المجاورة لإقليم كردستان، ما يعطي انطباعاً بأن الضربات الأميركية تأتي بشكل خاص للدفاع عن الإقليم وحدوده، فيما يواصل التنظيم سيطرته على مناطق مهمة في صلاح الدين وديالى والأنبار وحزام بغداد، من دون أي تدخل أميركي، ما يؤشر إلى أن الانسحابات تكتيكية في الغالب، إضافة إلى أن احتلال «داعش» لسد الموصل لم يكن له سوى مغزى معنوي، لأن البقاء فيه شبه مستحيل، نظراً إلى حاجة السد إلى إدامة يومية من خلال حقن أسسه بالإسمنت، ما يعني انهياره لو بقي مدة أطول تحت سيطرة «داعش».

سلاح الجو

وبحسب المصادر الأميركية، إن الغارات الجوية كانت بحدود 110 غارات خلال أسبوعين، فيما يقول المتابع للشأن العراقي زيد الزبيدي إن الطائرات الأميركية شنت في 20 مارس 1991 أكثر من 2100 غارة، بثلاث دفعات، وما يزيد على 84 ألف غارة خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، لكنها لم تُسقط نظام صدام حسين آنذاك.

ومن هذا المنطلق، يشير المراقبون السياسيون إلى أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان متحفظاً في استخدام القوة، وكان يعتبرها «وسيلة يجب أن يسبقها إجراء سياسي بتشكيل حكومة شاملة جامعة قادرة أن ترضي مكونات العراق المختلفة من سنة وشيعة وكرد»، أي بعبارة أخرى «تشكيل حكومة جديدة لا يتولى رئاستها نوري المالكي». لكن التطور الذي حصل هو أن تنظيم داعش توجه نحو المناطق الكردية، وهذا ما غير المعادلة.

تجنب معركة بغداد

وبحسب المراقبين، إن الولايات المتحدة سبق أن قالت «إذا كان هنا شيء يهدد مصالحها فإنها ستتدخل»، وكان هذا عاملاً مهماً جداً في أن تنظيم داعش لم يتوجه نحو بغداد.

ويرى الخبير الاستراتيجي غسان العطية أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة إلى اتخاذ إجراء ما، ولكنها ستكون، كما قال الناطق باسم البيت الأبيض، ضربات محدودة، وليست شاملة.

وقد تعوق الضربات الجوية التنظيم، لكنها لن تغير الوضع تماماً، وتنظيم داعش ما دام يجد قبولاً وتعاطفاً من قبل أبناء المناطق، باستثناء الأقليات، فسيكون قادراً على المواصلة والاستمرار، خاصة بعد أن سيطر على مصادر مالية كبيرة، ومنها نفطية، إضافة إلى المعدات التي سيطر عليها، وهذا يجعل التغيير السياسي في بغداد شأناً في غاية الأهمية، كما يشمل الأكراد أيضاً، إذ إن القيادات الكردية تصرفت من خلال سيطرتها على المناطق التي تعتبرها كردية، ووقفت عندها، وقالت إنها لا تتدخل، والآن ثبت أن الشأن العراقي متداخل، فليس هناك طرف آمن دون أن يكون الكل في حالة آمنة.

هزيمة مفاجئة

يؤكد خبراء عسكريون أن سلاح الجو لا يحسم المعركة على الأرض، بل يكون عاملاً مساعداً، ووسيلة تغطية لتقدم الجيوش في الميدان، وبرغم أن العراق لديه طيران حربي وجيش وترسانة عسكرية، فإنه لم يحقق أي تقدم عسكري، وسط تساؤلات وحيرة: كيف أن جيشاً بهذه القوة تلاشى أمام مليشيات أقل منه عدداً وعتاداً؟

وينطبق هذا الأمر على قوات البيشمركة الكردية التي كان ينظر إليها أنها لا تهزم، ومع ذلك تراجعت بشكل لافت أمام مقاتلي التنظيم، ما شكّل طعنة معنوية لإقليم كردستان، بأن الهالة الرمزية التي كانت تتمتع بها البيشمركة صارت مشكوكاً فيها، والأكراد ينظرون الآن بأنه لا بد من إعادة النظر في قواتهم.