فشلت كل محاولاتها لإقناعه بعدم الخروج خشية على حياته من شدة الغارات الإسرائيلية المتتالية خلال العدوان على غزة، لكنها ودعته مع نسمات الفجر داعية المولى أن يحفظه ويرده سالماً إلى بيته. إنها زوجة مؤذن مسجد العمري في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، الذي استشهد بعد قصف عنيف للمسجد بينما كان يستعد لأذان الفجر.

تقول والدموع ما زالت لم تجف من مقلتيها: «عندما بدأ الاحتلال استهداف المساجد في غزة بدأ يتسلل القلق إلى أعماقي حتى ليلة استشهاده».

صلاة الفجر

وسكتت برهة من الوقت وتنهدت بعمق كمن فقد حياته ويحاول العودة من جديد وتكمل: «كنت أستعد لصلاة الفجر والغارات مستمرة، فجأة شعرت وكأن عداد الزمن توقف، اهتز البيت وكأن زلزالاً كبيراً أو تسونامي ضربا المنطقة، تطايرت النوافذ وشظايا الزجاج وتدافعت الحجارة إلى المنزل، حيث دمرت صواريخ إسرائيلية المسجد واستشهد زوجي».

صاروخ وغبار

أما علي حمودة من بلدة جباليا شمال القطاع، فيقول: «كان علينا إخلاء المنطقة في دقيقة واحدة، ونحن نسكن بجوار المسجد العمري». وأضاف: «سقط الصاروخ الأول ولم أستطع الخروج من المنزل برفقة زوجتي وأطفالي، متخذاً مكاناً داخل المنزل اعتقدت بأنه أكثر أمناً، ليسقط بعدها صاروخ آخر يدمر المسجد». وأضاف: «غرقنا في الغبار وحطام المسجد التي تطايرت عن بعد».

وأردف: «مؤذن المسجد كان يستعد لأذان الفجر، ويبدو أنه لم يكن على علم بإخلاء المنطقة لقصف المسجد، وارتقى شهيداً تحت أنقاضه». ونفى حمودة قصف المسجد العمري الكبير، وإنما قصف مسجد آخر على نفس الاسم «العمري» بحكم سكنه بالقرب من هذا المسجد.

استهداف دور العبادة

وتعمد الاحتلال استهداف المساجد، وبخاصة المساجد الأثرية في مناطق مختلفة من القطاع عمرت لمئات الأعوام، وأهمها مسجد «المحكمة البردبكية» الذي صدحت مئذنته بالأذان لنحو 600 عام، ومسجد «الإصلاح».

كما قصف مسجد «شهداء الأقصى»، ما أدّى إلى تدميره بالكامل وإلحاق أضرار بالغة بعشرات المنازل المحيطة به، واستهدفت غارة إسرائيليّة مسجد «الفاروق» في مدينة رفح. كذلك قصف الطيران الإسرائيلي مسجد «الأبرار» ما أدى إلى تدميره تماماً.

ويتساءل المسن أبو راجي الزن (75 عاماً) بحزن شديد: «بأي ذنب قصف مسجد الحي؟»، قائلاً إنه كان يصلي في هذا المسجد منذ أعوام طويلة «فهو من أقدم مساجد المنطقة». ويشدد المسن أبو راجي على «إصرار الأهالي علي القيام بتنظيف المكان وترتيبه وإقامة الصلوات على أنقاضه ليثبتوا للاحتلال أنهم لا يخشون صواريخه».

استهداف الهوية

فيما يرى أسعد الشاعر أن الاحتلال يحاول استهداف المساجد الأثرية بالدرجة الأولى محاولة منه لإخفاء تاريخ وهوية غزة، ناهيك عن استهداف مساجد أخرى مما ألحق أضراراً فادحة بهذه المساجد والمنازل القريبة منها.

وعبر عن حزنه الشديد لتدمير المساجد، خاصة وأنها «تستخدم لأغراض غير الصلوات، كتعليم القران، وأعمال مجتمعية خيرية، وتوزيع المياه على المحتاجين، إلى جانب اللجان الاجتماعية لكل حي».

161

أكدت إحصائية صادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الإسلامية أن العدد الإجمالي للمساجد التي استهدفت خلال العدوان على غزة هو 161 مسجداً، دُمّر منها 41 مسجداً بشكل كلي، و120 بشكل جزئي.