منذ «الخط الأحمر» السوري والمآخذ تتراكم على أداء الرئيس الأميركي باراك أوباما في السياسة الخارجية. طالما قيل إنه «متراجع ومتردّد»، بل «ضعيف». ولأنه كذلك، فقد دأب على مخالفة غالبية فريقه لشؤون الأمن القومي. بعض المسؤولين السابقين في إدارته، مثل وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون والسفير الأميركي روبرت فورد، كشفوا عن ذلك.
صحيح أن معظم الانتقادات صدرت عن خصومه المحافظين وكانت مغرضة وغير خالية من المزايدات وتسجيل المواقف خصوصاً في ملفات مثل أوكرانيا، لكن هذه المرة صدرت عن حريصين ومقربين من داخل بيته الحزبي ومن مواقع عالية في الكونغرس.
جاءت بصيغة تفيد بأن الكيل قد طفح من «إفراطه في الحذر»، على حدّ تعبير السيناتور الديمقراطي دايان فاينستاين رئيسة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ.
ذهول
لا شك أن «شلال الأزمات» المتفجرة خلال أغسطس الماضي، كان أكبر من القدرة على استيعابه. لكن اعتراف الرئيس بأنه لا يملك استراتيجية لمواجهة تنظيم «داعش»، ترك حالة من الذهول في واشنطن.
خطابه هو وأركان إدارته طوال الأسبوع الذي سبق كلمته، حمل على الاعتقاد بأن مطاردة قوات ومواقع هذا التنظيم في سوريا، باتت مسألة أيام قليلة، وأوحت بوجود قناعة أنه لا يستقيم ضرب «داعش» في العراق وترك قواعده سالمة في الساحة المجاورة التي انطلق منها.
تعزز هذا الاعتقاد عندما أعطى الرئيس الضوء الأخضر للقيام بطلعات جوية استكشافية فوق سوريا، على قاعدة أن «داعش» بات يمثل خطراً مباشراً على الأمن الأميركي، لكن في آخر لحظة، فطن البيت الأبيض إلى أهمية بناء تحالف يتكفل القيام بهذه المهمة، تماماً كما سبق وفطن لأهمية التشاور مع الكونغرس، قبل ساعات من لحظة وضع «الخط الأحمر» الشهير موضع التنفيذ.
في الحالتين بدا أنه تراجع، أو تهيّب الموقف. بصرف النظر عن الحيثيات التي جرى تسويقها من خلال القول بأن ضرب «داعش» في سوريا قد يخدم النظام، أو قد يبدو تعاوناً لا تريده الإدارة الأميركية مع الرئيس السوري بشار الأسد، أو أن هناك عقبة قانونية تتمثل في خرق سيادة بلد عضو في الأمم المتحدة.
كان التصور أن كل هذه المحاذير قد جرى التحوط لها.
انتقادات
وتحكم قرار أوباما عقدة التورط. من هنا مغالاته في «الحذر» الذي بات غير مقبول حتى من بعض أنصاره وبطانته. تعاملت إدارته مع مقتل الصحافي الأميركي جيمس فولي، بما يفيد أن واشنطن باتت في حرب مع التنظيم الإرهابي.
بذلك صارت مجبرة على مواجهة هذا الأخير أينما كان، خصوصاً في منشأه سوريا. الأمر الذي يتطلب قوات على الأرض لاستكمال القصف الجوي الذي يقول الخبراء إنه لا يكفي وحده.
في العراق قامت البيشمركة وقوات خاصة عراقية بهذه المهمة. وفي سوريا لا يتوافر هذا الدور إلا من خلال قوات النظام الذي عرض خدماته طمعاً في إعادة تأهيله.
بعض الجهات في واشنطن تطرح هذا الخيار من باب أن الأسد «يبقى أفضل من داعش». الإدارة تقول إن هذا من الممنوعات، يبقى لها المراهنة على التحالف الإقليمي ووزير الخارجية جون كيري مكلف بنسجه في زيارته إلى المنطقة هذا الأسبوع.
ثمة من يستبعد تركيب مثل هذا التكتل في زيارة واحدة، أو في مدة قصيرة لأن المنطقة باتت ثقتها ضعيفة بسياسة إدارة أوباما، ثم إن كيري ذاهب ليطلب من دون أن يكون لديه ما يعرض، بحسب ما قال السيناتور جون ماكين.
سوريا التي تجاهل الرئيس الأميركي باراك أوباما أزمتها فرّخت له أزمة باتت معها العودة إلى الأزمة الأم المعبر الإجباري للتصدّي لها، إلا إذا حالت اعتبارات إقليمية دون ذلك أو فرض العدو المشترك التعاون الموضوعي غير المباشر تحت ستار إعطائه الأولوية في المواجهة.
خلفية
يفترض أن يقوم وزير الخارجية الأميركي جون كيري بزيارة إلى المنطقة خلال أيام، بعد زيارته أوروبا لحضور قمة حلف الناتو، حيث سيتناول ملفات إقليمية عدة كسوريا والعراق وليبيا وفلسطين.