مع انتهاء العدوان الإسرائيلي على غزة، بدأ التحدي القديم الجديد المتمثل في رفع الحصار وإعادة الإعمار الهدف الذي دفع ثمنه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة فاتورة كبيرة في ثلاث اعتداءات إسرائيلية وحشية.
ومع أن عوامل رفع الحصار كثيرة والأطراف المشاركة متعددة والآليات لتجنيد الأموال والمساعدات مختلفة، فإن المفتاح الحقيقي بيد حركتي فتح وحماس بتحقيق الوحدة وقبول الشراكة لمواجهة ما يعترض رفع الحصار من معوقات، وإبطال ما يتخلل الطريق من ذرائع وتمهيد الأفق، لتبديد المخاوف وإخماد الفتن وإبطال المزاعم الإسرائيلية المعلقة على صدر الانقسام.
الشراكة السياسية
وعلى الرغم من أن اتفاق الهدنة الذي وقّع يتضمن بنوداً تشترط على إسرائيل رفع الحصار وإعادة الإعمار بفتح المعابر ورفع القيود، فإن الالتزام بذلك ليس صنو الاحتلال، واحترام العهود ليس من شيمه، فما الحروب التي مضت إلا سيناريو متكرر، واظبت إسرائيل على إنكار ما ورد فيه للفلسطينيين من حقوق، ويزيد على ذلك ما وقّع من اتفاقيات وتفاهمات طوال عشرين عاماً من مسار المفاوضات.
وفي السياق ذاته، يؤكد المحلل السياسي محمد ضراغمة أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يتضمن رفع الحصار عن غزة، لكن الفلسطينيين يمكن أن ينجحوا في رفع الحصار في حال واحدة، تتمثل في الشراكة السياسية والتوقف عن المعارك الفصائلية.
وأضاف: «ربما كان على حماس أن تدرك اليوم أنه لا يمكنها النجاح في إعادة الإعمار، وفي فتح المعابر، وفي توفير الخدمات في غزة، دون وجود السلطة الفلسطينية المعترف بها دولياً وإقليمياً، وربما كان على فتح أن تدرك أن عودتها إلى العمل في قطاع غزة مرهونة بالشراكة مع حركة حماس، والاعتراف بدور هذه الحركة في الحرب وفي السلام، وفي الأمن الداخلي».
مخاوف وضمانات
وحول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تعطل رفع الحصار، يجمع المراقبون على أن السبب في كون حركة حماس تسيطر على مختلف مفاصل المجتمع الغزي، لكنها لا تستطيع إدارة غزة بسبب عدم اعتراف العالم والإقليم بها، في حين أن حركة فتح تمتلك الميزة الأخيرة، لكنها لا تتمتع بأي سيطرة على قطاع غزة، وفي حين أن كلاً من فتح وحماس بحاجة إلى الشراكة في ما بينهما لرفع الحصار عن غزة وإدارته، يحتفظ كل طرف منهما بمخاوفه من هذه الشراكة وشكوكه حولها إذا ما كانت مصلحية فصائلية أو وطنية فلسطينية.
ويرى المراقبون أن صورة وحدة الوفد الفلسطيني المفاوض أخفت خلفها، لضرورة الظرف، الكثير من المشادات والخلافات التي ما زالت عالقة حتى الآن، مشيرين إلى حقيقة وجود حكومتين على خلاف ما نصت عليه الوحدة، واحدة «حكومة ظل» تحكم سيطرتها على القطاع بنفوذ حركة حماس، والأخرى حكومة التوافق التي تدير الضفة ولا تجد لها متسعاً أو حرية العمل في القطاع.
وما زالت قضايا الأمن والمعابر والحدود والخدمات ومسؤولية إعادة الإعمار والبناء عالقة، في ظل التوافق على حكومة الوحدة بموازاة عدم التوصل إلى صيغة شراكة سياسية توفر ضمانات للطرفين، بعدم استغلالها لتحقيق مكاسب حزبية.
عنوان واحد
يرى المحلل السياسي محمد جمال في حديث لـ«البيان» أن «الشراكة السياسية الحقيقية تدعم السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير والرئيس محمود عباس في مواجهة إسرائيل التي ترعبها قوة غزة العسكرية، وتدعم كذلك حركة حماس وباقي الفصائل في غزة من خلال القبول الدولي والتمثيل الشرعي الذي تحظى به السلطة عالمياً، والذي يعني تدفق الأموال لرفع الحصار عن غزة، طالما أنها تقع تحت سيادة فلسطينية معترف بها أممياً»، مضيفاً أن «الدول المانحة بحاجة إلى عنوان واحد موثوق به للتعاون معه من أجل رفع الحصار.
بحيث يبطل مزاعم إسرائيل ومخاوفها الأمنية، فضلاً عن أن كلا الطرفين يملكان عناصر قوة، إذا ما اجتمعت بشراكة سياسية وتوسعت لتشمل باقي الفصائل، تمثل استراتيجية قوية، ليس لإعادة الإعمار فحسب، وإنما لإنهاء الاحتلال ككل». البيان