رحب النظام السوري بضرورة التعاون والتنسيق مع الغرب لمحاربة تنظيم داعش في سوريا على لسان وزير خارجيته وليد المعلم، والذي مسح أوروبا من خريطة العالم يوم ما، ولم يمر هذا الحدث الدراماتيكي من دون مقدمات مكثفة وتقارير مسربة خرجت من قنوات النظام السوري تبشر بولادة التقارب الغربي السوري لتقويض «سرطان داعش» على حد تعبير الرئيس الأميركي باراك أوباما.
غير أن أوباما ذات نفسه قطع هذه التمنيات والتوسلات المتكررة، حين أشار مع حلفائه الغرب أن بلاده ستستمر في تقديم الدعم للمعارضة السورية «المعتدلة» لإعطاء السوريين خياراً ثالثاً، غير الأسد أو «داعش».
حقيبة الخطط
والدبلوماسية الأميركية التي يقودها وزير الخارجية جون كيري في منطقة الشرق الأوسط في الأيام المقبلة من أجل بناء تحالف منسق ضد تورم «داعش» في المنطقة، تبدو أنها محملة بحقيبة متكاملة من الخطط الاستراتيجية والتفصيلية.
لكن ضمن المعطيات الميدانية، فإن النظام السوري يعيش في أحلك أيامه على الصعيد العملياتي والتكتيكي بعدما خسر في حربه ضد «داعش» على مدى ثلاثة أشهر أهم المواقع العسكرية في محافظة الرقة، والقضاء على القوات التي تسيطر عليها.
وتنذر الظروف بسقوطه في دير الزور، حيث تعاني قوات الأسد من انعزال شديد حول المطار بالقرب من المحافظة. وقد تكون خطوط التواصل بين محافظة حماه وحلب هي أيضاً معرضة للخطر. ويشكل كل هذه التطورات بمثابة أكبر هزيمة تلاقها قوات النظام منذ بدء الصراع.
تلاشي الفرص
ووسط هذه المؤشرات التي تكشف مدى تراجع القوات النظامية وانسداد الطرق أمامها، خرج الناطق باسم البيت الأبيض جوش إرنست الذي أكد أن الأسد لا يملك الشرعية لحكم سوريا، وأن لا خطط للتعاون معه ضد التنظيم الإرهابي.
ويكشف هذا التصريح وغيره امتناع البيت الأبيض تماماً شراء خدمات الأسد في محاربة الإرهاب، تاركاً النظام يتخبط في كيفية إنقاذ نفسه بعد وصل الخطر المريع على مشارف حاضنته الاجتماعية التي تشهد موجة من الهجرة والنزوح صوب الداخل والخارج في بعض المناطق التماس مع الجماعات الإسلامية المتشددة.
وتعتقد واشنطن أن الطريقة الأكثر فعالية لوضع «داعش» عند حده ثم دحر تقدمه تتمثل ببذل جهود مشتركة بين القوة النارية من الولايات المتحدة والحلفاء وقوات الثوار السوريين المسلحين والمدعومين، على أن يعملوا جميعاً بموجب استراتيجية متماسكة وطويلة الأمد، وينفذوا عمليات منسقة لهزم قوات هذا التنظيم وتحرير المناطق الخاضعة لسيطرته.
وإذا ما تعذر ذلك، قد يكون من المفيد اتخاذ تدابير أكثر تقييداً مثل تسليح الثوار واستخدام القوة الجوية للحد من تقدم قوات «داعش» وخفض عددها وقدراتها، لمنعها من تحقيق مكاسب أكثر جوهرية في سوريا وربما دحر التقدم الأخير الذي أحرزه التنظيم في شمالي حلب.
خيارات أوباما
والحال، أن خيارات كثيرة مفتوحة أمام إدارة أوباما حيال الملف السوري، وهي طور الدراسة والانتقاء والتنفيذ، فالسياسية الخارجية الأميركية تشهد حالياً انتعاشاً على عدة جبهات حيوية، وهي قد تستثمر ضعف النظام إلى أقصى الحد، كونها في موقعة تخولها أن تضع السكين حول رقبة النظام، لجره إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأميركية.
فعملية تأهيل النظام السوري الذي يحمله الغرب مسؤولية اندلاع العنف في البلاد قد لا يمر من بوابة محاربة الإرهاب مقابل أن يحتفظ الأسد بسوريا أو ما تبقى منها، بل يقتضي تسوية سياسية مماثلة لما نشرها بعض الوسائل الإعلامية تفاصيل جديدة حول المبادرة العربية لتسوية الأزمة السورية تقودها مصر، على أن يسبق ذلك خروج رأس النظام في دمشق من السلطة أو أن يصرح النظام عن نيته الحقيقية من أجل تكريس السلام والاستقرار.