تعيد أحداث الفوضى المتسارعة في العراق، رغم اختلاف تفاصيلها، والمناشدات المتكررة لدعم دولي لانتشاله من هذا الواقع المرير، إلى الأذهان مشاهد قبل أكثر من عقد سبقت الغزو الأميركي لأراضيه تحت مسمى «تحرير العراق»، والذي دام سبعة أعوام دون تحقيق كل النتائج المرجوة منه. ورغم اختلاف التفسيرات والتأويلات بشأن ما يدور به حالياً، إلا أنها تترافق مع تحذيرات متعددة من احتمال اندلاع حرب جديدة في العراق، أو ربما إعادة احتلال حتى لو بعض الأجزاء من أراضيه.

الولايات المتحدة بدأت بشن ضربات «محددة» ضد العناصر الإرهابية في العراق وفي مقدمتها تنظيم «داعش»، وجددت تأكيداتها أنها لن تتدخل بشكل مباشر هناك، أو بعيداً عن رغبة وموافقة السلطات العراقية، لكنها تبدو اليوم في مأزق حقيقي لاسيما بعد استهداف التنظيم رعاياها في سوريا، واستفزازه لها بشكل مباشر، وتهديده بقتل مزيد منهم ما لم ترفع يدها تماماً عن العراق، ما دفعها إلى إعلان عزمها مواصلة الضربات العسكرية، وتهديدها بتوسيع تدخلها إلى سوريا المجاورة.

مشاركة في الحرب

وقد يعتبر ذبح الصحافي الأميركي جيمس فولي على أيدي مسلحي التنظيم أمام مرأى ومسمع العالم القشة التي قصمت ظهر واشنطن لجهة محاولتها الالتزام بعدم التدخل عسكرياً في العراق، حيث إنها أعلنت أن هذا العمل الإجرامي هجوم إرهابي ضد الولايات المتحدة، وبدأت تخرج عن دبلوماسيتها المعهودة في التعاطي مع هذا الملف الخطير والشائك.

ورغم تأكيد الرئيس الأميركي باراك أوباما قرار التغاضي عن توجيه رد عسكري مباشر على قتل فولي الذي يعكس عزوف البيت الأبيض عن التورط أكثر من ذلك في العراق وسوريا، إلا أن كثيراً من المحللين والمراقبين يرون أن قتل فولي أنعش «الآمال» في مشاركة أميركية مباشرة في الحرب على «داعش» في كلا البلدين، معتبرين أن المسألة مجرد وقت.

ويقول الدبلوماسي الأميركي المخضرم جيمس جيفري الذي كان سفيراً أميركياً لدى العراق 2010 – 2012، إن «أوباما ينجر إلى ذلك. فرفضه ببساطة لا يمكن الدفاع عنه».

وفي حين أن فرص توسيع الدور الأميركي تبدو ضئيلة في الوقت الجاري، فإن احتمالات تدخل أميركي مباشر في الصراع في سوريا والعراق تتزايد مع تزايد خطر «داعش»، ما قد يجبر المسؤولين الأميركيين على إحياء الخيارات التي قدمها القادة العسكريون في السابق مثل توجيه ضربات جوية في سوريا أو ربما التدخل أكثر عمقاً في العراق.

تنسيق دولي

أما بغداد، وعلى لسان وزير الخارجية العراقي المنتهية ولايته هوشيار زيباري، فدعت بشكل صريح المجتمع الدولي إلى مساعدتها على التصدي للمسلحين المتطرفين. لكنها أكدت عدم الحاجة إلى إرسال قوات على الأرض، لأن هناك ما يكفي من العناصر المقاتلة.

وطالب زيباري، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، بتنسيق دولي ضد «داعش»، حيث أعلنت طهران تعاونها مع تركيا للتصدي لذلك، ودعمها الكامل للعراق الذي يواجه منذ التاسع من يونيو هجوم عناصر التنظيم المتطرفة التي سيطرت على مناطق في خمس محافظات عراقية وأجبرت مئات الآلاف على الفرار وخصوصاً في شمال البلاد. إلا أنها نفت في الوقت ذاته وجود أي جنود إيرانيين داخل الأراضي العراقية.

ولكن بحسب الخبراء، فإن مقتل طيار إيراني في معارك في العراق أواخر يوليو الماضي، ووجود مقاتلات يبدو أن مصدرها إيران، يوحي بضلوع مباشر للجمهورية الإسلامية في أحداث العراق.

أهداف استراتيجية

يواصل تنظيم «داعش» محاولاته للسيطرة على بعض الأهداف الاستراتيجية في العراق، ومنها سد الموصل ومصفاة بيجي النفطية العملاقة التي تزود معظم المحافظات العراقية بالمنتجات النفطية، وتقدر طاقتها الإنتاجية بنحو 600 ألف برميل يومياً. وسيطر مسلحو التنظيم في السابع من أغسطس على سد الموصل (شمال) الأكبر في العراق، قبل أن تنجح القوات العراقية والكردية في استعادته قبل أسبوع بدعم من المقاتلات الأميركية. كما أحبطت القوات العراقية عدة هجمات للمسلحين على المصفاة الأسبوع الماضي، هي الأولى من نوعها منذ نحو شهر ونصف الشهر، وجاءت غداة سلسلة هجمات بالسيارات المفخخة ضد مدينة كركوك خلفت عشرات القتلى.