بعد عدوان الـ51 يوماً الإسرائيلي على قطاع غزة باتت المعادلة على الأرض مختلفة، إثر الصمود الأسطوري الذي سطّره الفلسطينيون في القطاع في مواجهة آلة الموت والتدمير الإسرائيلية بالتوازي مع التفوّق النوعي وطول النفس الذي أبدته المقاومة والتكتيكات التي اتبعتها خلال الحرب، ما خلق حالة من الهستيريا لدى المسؤولين الإسرائيليين تُرجمت بسياسة تدمير لم يسبق لها مثيل، من خلال استهداف الأبراج السكنية والمنازل وترك ساكنيها في العراء بلا مأوى، في مسعى لخلق حالة من النقمة على المقاومة وسلبها حاضنتها الشعبية.

تكتيك الهاون

الملاحظ أنه في السابق كانت إسرائيل تمتلك زمام المبادرة في أي عدوان، أما اليوم فنجد أن المقاومة هي التي تمتلك زمامها وتسعى إسرائيل جاهدة لمعرفة ما يدور في تفكير قيادات المقاومة في محاولة للردع أو حتى تجهيز الرد مسبقاً، وبدا أنه في الأيام الأخيرة للعدوان اتبعت المقاومة تكتيكاً جديداً يتمثل في التركيز على قصف مستعمرات ما تسمى بـ«غلاف غزة» بقذائف الهاون من عيار 120 ملم، والتي يصعب رصدها إسرائيلياً، وتحدث خسائر بشرية ومادية لدى العدو مع استخدام متقطّع للصواريخ الأخرى في قصف المدن الواقعة في الأراضي المحتلة عام 1948، لذا عمد جيش الاحتلال إلى محاولة ردع المقاومة على هذه الجبهة بالقيام باعتداءات مجنونة تدمر مناطق وأحياء بكاملها بذريعة الشك أن هذه القذائف الموجعة انطلقت منها.

الجبهة السياسية

على الجبهة السياسية، وبعد أن خرقت إسرائيل التهدئة من أجل «صيد ثمين» توقعت أن يكون حصيلته رأس العقل المدبر لكتائب الشهيد عز الدين القسّام محمد الضيف، لكنها خابت بعد فشلها في ذلك، فحاولت كيل التهم للمقاومة أنها هي المسؤولة عن انهيار التهدئة، وفي المحصلة فإن إسرائيل وبعد استنفادها جميع الخيارات من دون أن تحقق أياً من أهداف العدوان فإنها رضخت وانصاعت لمطالب المقاومة التي يقف خلفها الشعب الفلسطيني وحتى قيادته السياسية التي تبنّت مطالب المقاومة، وأرسلت وفداً موحداً إلى القاهرة والذي خاض المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل برعاية مصرية.

«سنغافورة جديدة»

وعليه فإن إسرائيل وبعد يقينها من القوة التي وصلت إليها المقاومة واستحالة نزع سلاحها، فإنها ستوافق على حل طويل الأمد في غزة تسعى بموجبه بمعاونة دولية إلى نوع آخر من الحلول مناقض تماماً للعدوان، يتمثل في رفع كامل للحصار عن القطاع مع رقابة دولية صارمة عليه، وضخ أموال هائلة فيه من أجل إعادة الإعمار والاستثمار، ما يحوّل غزة إلى «سنغافورة جديدة» على أمل أن ينصرف أهلها عن المقاومة، وهذا ما سيجعل غزة كياناً منفصلاً عن الضفة التي ستخسر عمقها المقاوم في غزة وسيظهر وكأن هناك كيانين منفصلين واحد في قطاع غزة وآخر في الضفة الغربية، ما سينهي المشروع الوطني الفلسطيني لصالح خيار التقسيم المكرّس فعلياً على الأرض، ولوحظ ذلك أثناء العدوان، حيث لم ترق تحركات الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى مستوى التضحيات التي يقدمها إخوانهم في قطاع غزة، إذ لم تكن هناك عمليات كبرى للمقاومة في الضفة التي كانت تنتفض في السابق وتقض مضاجع إسرائيل.

الحرية والتحرر

رغم كل ما سبق يرى محللون أن خيار إنهاء المقاومة في غزة لن يكون أبداً، كونها تأخذ على عاتقها تحرير فلسطين بدعم أطراف دولية فاعلة، وبالتالي فإن «رسملة» غزة وضخ المليارات فيها لن ينجح في إلهاء أهلها عن العدو المتربص بهم على مرمى حجر، ولن ينسيهم أحباءهم الذين طحنتهم آلة الموت الإسرائيلية، وبالتالي لن يرضوا بأقل من الحرية والتحرر وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.