حملت مأساة غزة خلال الأيام الـ51 للعدوان الإسرائيلي عليها بآلاف القصص الإنسانية، وقدر لنسائها أن يحملن في أحشائهن أجنة في خضم الحرب الدموية التي شنها الاحتلال عليها.

آمنة ربيع (25 عاماً) إحدى النازحات من بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بدت شاحبة الوجه ويكاد لا يعرف لون لملابسها من شدة اتساخها.

تقول آمنة: «نجوت بأعجوبة أنا وزوجي، هربنا من البيت تحت وابل قذائف مدفعية الاحتلال من دون أن نأخذ معنا أي شيء، ولم أستطع انتعال أي حذاء، فلم يكن أمامنا أي خيار آخر».

وأضافت: «وصلنا إلى مدرسة شهداء الأقصى في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة بعد معاناة طويلة، وفي اليوم التالي لوصولي أنا وزوجي شعرت بآلام المخاض وهذا ما كنت أخشاه، فلا وجود لأهلي أو والدتي كما العادة لحظة الولادة، ولا وجود لأي مستلزمات صحية، ولا أبسط ما يمكن أن تقتاته المرأة بعد الولادة لتستعيد عافيتها».

وأردفت: «تم نقلي سريعاً تحت القصف إلى المستشفى للولادة حيث وضعت، وكان من الصعب المبيت رغم الألم والتعب نظراً لازدحام المستشفى بالشهداء والجرحى، حيث قامت الممرضات وإحدى النازحات التي رافقتني بتغطية المولود بشرشف المستشفى فلا يوجد أي ملابس له، وحملته كمن يحمل شيئا لا قيمة له، وعدت من جديد إلى المدرسة وكلي ألم كمن يشعر بأنه يجر أذيال الخيبة وراءه».

عام دراسي

وصبيحة اليوم الرسمي لبدء العام الدراسي في المدارس الفلسطينية، صدح صوت النشيد الوطني الفلسطيني «موطني موطني» في سماء مدرسة الشاطئ الإعدادية، إحدى مراكز الإيواء التابعة لوكالة تشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، تزامن مع رفرفة العلم الفلسطيني على المنصة، واصطف تلاميذ المدرسة من الأطفال النازحين طوابير إيذاناً ببدء العام الدراسي بشكل رمزي من أجل التخفيف على التلاميذ من حدة الحرب.

التلميذ أحمد الأشقر في الصف الثامن نجى وأسرته من مجزرة الشجاعية بعد قصف بيته وفروا إلى مراكز الإيواء، عبر عن شوقه للعودة إلى مقاعد الدراسة ولرؤية أصدقائه والحديث معهم واللعب أيضاً كما كانوا يفعلون في السابق. يستذكر أحمد قائلا: «افتقدت أصدقائي فكل عام قبل بدء الدوام المدرسي نلتقي ونخرج إلى السوق للتحضير للمدرسة، نشتري القرطاسية ومستلزمات الدراسة».

ويضيف: «منذ أن بدأت الحرب ونزحنا إلى المدراس لم أعد أعرف أي شيء عن أصدقائي، أخشى أن يكونوا قد استشهدوا».

للمرة الرابعة

ويبدو أن نكبة الفلسطينيين العام 1948 تتكرر مع تكرر الاعتداءات الإسرائيلية على المدن الفلسطينية، وكل مرة نازحون جدد، وركام بيوت هنا وهناك.

الحاجة عائشة ذات 85 عاما التقتها «البيان» في إحدى مراكز الإيواء على مقربة من إحدى الفصول الدراسية كانت تجلس ويجلس حولها بعض الأطفال منهم أحفادها والآخرون من النازحين، ترتدي ثوبا فلسطينيا مطرزا بالوان زاهية، بدت متفاعلة مع الأطفال وهي تخبرهم بقصص عن أيام البلاد قبل النكبة وذكرياتها وكأنها أرادت أن تحفزهم على حب الوطن والصبر.

 بملامح حزينة وعيون متعبة أرهقها الدمع، قالت: «هذه الحرب من أصعب الحروب التي جعلتني أهجر بيتي أنا وأولادي وأحفادي، لنستقر أخيرا في أحد مراكز الإيواء في المدارس، هذه المرة تختلف كليا عن نكبة 48».

وتضيف: «ما حدث لا يتحمله أي بشر ولا أي عقل، ركام بيوت هدمت على رؤوس سكانها، وشهداء جثامينهم ملقاة على الأرض لم يستطع أحد الوصول إليها لدفنها».

تهجير ونزوح

توضح الحاجة عائشة: «لقد تهجرت عام 1948 مع عائلتي، كنا نعيش في قرية حمامة التي تقع في الجنوب الغربي لساحل فلسطين، وبعدها هُجرنا في حرب 1967، حتى امتدت سلسلة الهجرة إلى حرب عام 2008-2009، قُصف البيت ونزحت مرة ثالثة وها هي الحرب الرابعة تجبرنا على نزوح آخر».