يبدو أن حكومة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون تدرس جدياً، ولكن على مضض وبحذر، خيار التعاون مع النظام السوري لمواجهة «داعش». وعلى الرغم من أن كاميرون ووزير خارجيته فيليب هاموند استبعدا إمكانية التعاون مع دمشق، إلا أنهما لم يرفضا فكرة التحالف مع إيران الحليف الاستراتيجي للنظام السوري. ولعل كاميرون يعبر في ذلك عما يعتمل في صدر الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي يبدو موافقاً على تناول «جرعات» النووي الإيراني للتغلب على «سرطان» التنظيم المتطرف.

وتزايد الضغط على كاميرون للقبول بخيار التعاون مع دمشق، مع نداءات من شخصيات عسكرية وسياسية تدعو إلى ضرورة تجاوز «حرج» التحالف مع أهون الشريْن، أي نظام بشار الأسد، في سبيل القضاء على خطر داهم يتمثل بـ«داعش». وأعرب رئيس الأركان السابق للجيش البريطاني لورد ريتشارد دانت عن اعتقاده بضرورة فتح الحكومة البريطانية قنوات اتصال مباشرة مع الأسد ضد «داعش». وقبل ذلك، كتب وزير الدفاع البريطاني الأسبق مالكولم ريفكيند مقالة نشرتها الصحافة البريطانية قال فيها إن «على الولايات المتحدة وحلفائها أن تكون مستعدة للعمل مع نظام بشار الأسد لإلحاق الهزيمة بداعش». وقال ريفكيند، الذي يعد من أقوى الأصوات السياسية التي كانت تدعو إلى ضرورة التدخل عسكريا من أجل إسقاط نظام الأسد: «علينا أن نتعامل مع الحقائق كما هي في الواقع لا كما نريدها أن تكون، واللجوء إلى التحالف مع الأسد هو شر لا بد منه، فلا يمكن تصور خوض معركة فاصلة ضد داعش في العراق مع إهمال البعد السوري».

الولايات المتحدة

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، تتعالى في الولايات المتحدة أيضاً النصائح الموجهة لإدارة أوباما، والداعية إلى التعاون مع النظام السوري. فالكثير من الأصوات النافذة في الولايات المتحدة والعواصم الغربية باتت لا ترى بديلاً عن التعاون مع «عدو عاقل» من أجل القضاء على «عدو متوحش»، أو بديلاً من التعاون مع «شخص سيئ» في دمشق من أجل التخلص من «شخص الأكثر سوءاً» يدعى «داعش». وفي هذا السياق كتب القائد الأعلى السابق لحلف شمال الأطلسي ستافريديس جيم مقالا في الموقع الإلكتروني «هافينغتون بوست» قال فيه إن «الوقت حان لإعادة النظر في علاقات الغرب مع إيران».

اتفاق وخيارات

وما قاله جيم ودانت وريفكيند لا يبدو معزولاً أو تغريداً خارج السرب، إذ إن الكثير من المحللين الأمنيين والعسكريين يتفقون مع هذه الآراء، بل ويشجعون القيادات التنفيذية في الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية على تقبل هذه الخيارات «القاسية» التي تبدو أثمانها، مهما كانت مرتفعة، أقل كلفة من ترك «داعش» الذي بات خطره على أعتاب أوروبا ويهدد مصالح الغرب الحيوية. ووسط هذا الجدل السائد في لندن وواشنطن، تجد لندن وواشنطن ومعهما حلفاؤهما الغربيون أنفسهم انحشروا جميعاً في مربع خيارات «أحلاها مر». أقل هذه الخيارات ضرراً بالنسبة للولايات المتحدة والدول الغربية هو التعاون مع نظام طهران، وأكثر هذه الخيارات «بشاعة» هو الوقوف في خندق واحد مع الأسد في مواجهة «داعش». لكن أخطر هذه الخيارات على الإطلاق هو الهروب من مواجهة حاسمة مع التنظيم.

خسائر

يمكن للمرء أن يقرأ بين سطور ما ينشر في الصحافة البريطانية أن حكومة ديفيد كاميرون التي لا تتمايز سياستها الخارجية عن سياسة الإدارة الأميركية، بأنها باتت متأكدة أن أضرار التعاون مع إيران والنظام السوري ستظل «أهون الشريْن» مقارنة بما قد يترتب عن تمدد «داعش» وسيطرتها على المزيد من الأراضي، وربما البلدان في منطقة الشرق الأوسط. كما يبدو أن واشنطن ولندن قدرتا أن خسائر التحالف مع طهران ودمشق ستبقى مهما عظمت أهون من خسائر تدخلهما العسكري البري المباشر في العراق. البيان