في ليلة وضحاها ومن دون أي حس إنساني قصفت أحلام العشرات من العائلات الفلسطينية، وأصبح الآلاف منهم مشردين بين مراكز الإيواء وبيوت الأقارب، وخيام على أنقاض منازلهم.

سياسية جديدة اتبعها الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه المتواصل على غزة منذ 50 يوماً، إلا أن وتيرة التصعيد الإسرائيلي رفعت من قبله بهدف الضغط على فصائل المقاومة لا نتراع وقف إطلاق نار شامل من دون تحقيق أي إنجاز يحسب للجانب الفلسطيني، وان اتباع سياسة تدمير الأبراج السكنية الكبيرة بهدف تمزيق النسيج الاجتماعي في القطاع.

وإيجاد ضغط مدني من أبناء الشعب على المقاومة من أجل القبول بوقف إطلاق النار، كما فعلت في تجربة حرب لبنان عام 2006 من تدمير للضاحية الجنوبية.

أحلام مقصوفة

كان مجرد وقت قصير لإتمام حفل زفاف أسماء خليفة (24 عاماً)، بعد خطوبة دامت عاماً كاملاً، الذي كان من المقرر في العاشر من الشهر الحالي. تعاونت مع خطيبها في تأسيس بيت الزوجية، واختيار كل مستلزمات البيت، الى أن أصبح البيت جاهزاً شقة في برج الظافر 4 بغزة.

وتعمدت أسماء وخطيبها تأخير موعد الزفاف حتى يتسنى لهما تجهيز البيت، لم يكونا يدريان أن الاحتلال سيقصف البرج بالكامل ويقصف معه أحلامهما. هكذا قالت أسماء. وبلهجة حزينة تقول: «كنا دوماً نبحث عن شقة مناسبة وفي ظل غلاء الأسعار والكثافة السكانية في غزة استغرق منا البحث ثلاثة شهور إلى أن عثرنا على هذه الشقة، وبدأنا نخطّط لأحلامنا.

 

إرهاب بامتياز

عضو المجلس التشريعي إبراهيم أبو النجا أحد سكان برج الظافر 4 والذي لجأ الى أحد بيوت الأصدقاء من جيرانه قال إن ما حصل «تصعيد جديد في الإرهاب الإسرائيلي، عقاب جماعي للمدنيين الذي بلغوا بظرف دقائق إخلاء شققهم من دون أن يستطيعوا أخذ أي شيء من شققهم حتى الأوراق الثبوتية، وبلحظات أصبح البرج ركاماً.

ويرى أبو النجا أن الاحتلال أراد من ذلك تركيع الفلسطينيين من خلال استراتيجية زرع الرعب أمام الصمت الدولي، فقصف البرج السكني وقبله شققاً سكنية في مناطق أخرى على مرأى من العالم. ويضيف: أشعر بحزن شديد فهناك أناس من نفس البرج ما زالوا يقطنون على الركام بجوار برجهم لم يجدوا مكانا لهم، فلم يعد في غزة متسع لأي شخص.

تركنا ذكرياتنا

يقول الصحافي هشام ساق الله «أنا وأسرتي خرجنا بملابسنا وتركنا خلفنا أحلامنا وما نملك، حرمنا أنفسنا من أشياء كثيرة لأجل أن نسكن ونعيش كغيرنا باستقرار، فقد كنت قبل أربع سنوات أسكن في بيت العائلة، وحين زاد عدد أفراد الأسرة قررت الاستقرار خارج نطاق العائلة، وجاءت طائرة صهيونية لتدمر أحلامنا وتهدم كل ما بنيناه».

ويضيف «حين شاهدت ما تبقى من البرج فرت دمعة من عيني ولم أتمالك نفسي، لكني بعزيمة أدعو المقاومة الفلسطينية الى إبادة هذا المحتل الذي يستهدف المدنيين الأبرياء».

لا بديل للمقاومة

المحلل السياسي هاني حبيب يرى أن هذا التصعيد الجنوني يهدف الى خلق فتنة بين الجمهور والمقاومة من خلال ضربات متلاحقة وتدمير مناطق سكنية، أحيانا على ساكنيها فيسقط العديد من الشهداء ويتشرد آخرون، لكنه بكل تأكيد لن يؤثر على عزيمة الجمهور واحتضان المقاومة.

ويؤكد أن الأمر الذي دفع الاحتلال للتصعيد الجديد أن الوضع بغزة بالغ التعقيد وخاصة أن الجمهور الفلسطيني بات بلا مناص متمسكاً بحقوقه من ناحية فك الحصار بشكل كامل على أقل تقدير، وأضاف حبيب أن الفئات الأكثر تضررا من هذه العمليات ستطالب بحقن الدماء الفلسطينية وتعويض أملاكهم.

تطور خطير

المحامي صلاح عبد العاطي مدير المركز الفلسطيني لحقوق الانسان أكد على أن استهداف أبراج سكنية وتشريد عشرات العائلات تطور خطير وغير مسبوق. وأوضح أن البرج يتكون من 11 طابقا و44 شقة سكنية، وعدد سكان هذا البرج حوالي 300 شخص، علاوة على تشريد أكثر من 600 آخرين من الأبراج المجاورة نتيجة تضرر شققهم.

وأكد أن 60 ألف وحدة سكنية تضررت خلال العدوان، 10 آلاف منها دمرت كلياً، و10 آلاف دمرت جزئياً، و40 ألف وحدة سكنية أصبحت غير صالحة للسكن.

إحصائية أورومتوسطية

أكد المرصد الأورومتوسطي أن قوات الاحتلال الإسرائيلي استهدفت المنازل والمنشآت المدنية خلال عدوانها على قطاع غزة، بل ودخلت مرحلة جديدة من الاستهداف حين قامت بتسوية برج سكني من 12 طابقاً بالأرض.

وذكر المرصد أنّ الاحتلال دمّر السبت 439 منزلاً، 99 منزلاً منها دمرت بشكل كامل، و340 أخرى دمرت بشكل جزئي، وبذلك ترتفع حصيلة البيوت المهدمة منذ بدء العدوان إلى 15671 منزلاً، منها 2276 بشكل كلي، و13395 بشكل جزئي، إضافة إلى عشرات آلاف المنازل المتضررة.