توضح التصريحات الحادة التي تصدر من إدارة الرئيس الأميركي بارك أوباما وبعض العواصم الغربية، بضرورة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية، بعد ذبح الصحافي ستيف فولي، بأن واشنطن وحلفاءها حسموا أمرهم في لجم «الدولة الإسلامية» على جانبي الحدود السورية – العراقية.
ولكي تكلل هذه العملية بالنجاح، وتحديداً في سوريا، فيجب تشكيل تحالف قادر على الانتصار على «الدولة الإسلامية».
وخرجت خلال الأيام الماضية مواقف غير رسمية من الأوساط السياسية والدبلوماسية الغربية، تطالب بضرورة التنسيق مع النظام السوري في شن الهجوم المحتمل على التنظيم، لما للجيش السوري من هوية رسمية، وكونه يأتمر عبر القرارات المركزية الصارمة التي عادة لا تحتمل صفة الاختراق والتبعثر، بفضل بنيته العقائدية المتماسكة، فضلاً عن امتلاكه للأسلحة المتطورة، وخاصة في المجال الجوي.
ولعل ضرورة معاقبة «داعش» في معاقلها الحيوية في سوريا، وتزايد خطورتها على المصالح الغربية، دفع حتى وزير الدفاع والخارجية البريطاني الأسبق ورئيس لجنة الأمن والاستخبارات في البرلمان البريطاني مالكوم ريفكيند، إلى الدعوة للتعاون والتنسيق مع النظام السوري، وهو الذي كان من أشد المطالبين بالتدخل العسكري لإسقاطه في البرلمان، حتى إلى ما قبل عام فقط.
تحالف وتمنيات
غير أن سيناريو بناء التحالف الوثيق مع بشار الأسد، بهدف ضرب الإرهاب على الأراضي السورية، كما كان يمني الأسد، قد لا يتماشى مع الرؤية الأميركية حيال سوريا إلى الآن.
فالمقاربة الأميركية في الحالة السورية، مغايرة على ما يلاحظ في العراق المجاور، ذلك أن واشنطن اشترطت في غاراتها الجوية ضد توغل «الدولة الإسلامية»، إزاحة نوري المالكي عن سدة الحكم، والإسراع في إجراء تسوية سياسية موسعة بين الأطراف المتصارعة، على أن تكرس بالنظام الفيدرالي مسنود بالصلاحيات الواسعة في الأقاليم الثلاثة.
كما أن الطبقة السياسية العراقية، ناشدت واشنطن من دون تردد بالتدخل السريع في وجه «تسونامي داعش»، في حين استفادت القوات الكردية والعراقية، الحليفة أصلاً مع واشنطن، من ميزة الضربات الجوية لتزحف ميدانياً نحو معاقل التنظيم، الأمر الذي سهل في ردع «داعش» صوب المناطق الكردية في العراق.
إسقاط السيناريو
وعملية إسقاط هذا السيناريو الأميركي في العراق على الواقع السوري، قد ينافي رغبات مناصري الأسد بالدرجة الأولى، ولا يأخذ أبعاد المشهد السوري، والذي قد يبدو أكثر تعقيداً والتباساً. فالنظام المركزي في دمشق يعيش في حالة قطيعة واشنطن، بسبب تشبثه بالسلطة، وعدم إفساح السبل أمام التحول السياسي، والإصرار على الحلول العسكرية المحضة ضد المعارضة.
كما أن المؤشرات المستجدة على الساحة السورية في الآونة الأخيرة، تشير إلى تقهقر النظام أمام ضربات المعارضة في بعض المواقع، في حين أن سلسلة الغارات الجوية التي تشنها ضد معاقل «داعش» في الرقة وريف حلب، تفتقر ميدانياً إلى المؤازرة العسكرية، ولم تجنِ النتائج الفعالة.
على الرغم من تدفق المال والسلاح والطاقة البشرية من حلفائه في إيران وروسيا، الأمر الذي يبرهن مدى حاجة النظام السوري إلى الطائرات الغربية، بغرض القضاء على «الدولة الإسلامية» التي باتت تطرق أبوابه في كل من حمص وحماه، وتفرض نفوذه على مساحة شاسعة في شرقي البلاد.
تصاعد وعجلة
هذه العوامل قد لا تجعل واشنطن وحلفاءها على عجلة من أمرهم لضرب «داعش» في سوريا، حيث ما زال البحث جارياً لانتقاء الخيارات الأكثر ملاءمة بما يتكيف مع الحالة السورية. فعملية ضرب قواعد «داعش»، تستدعي تضافر الجهود المشتركة بين المعارضة والنظام معاً، وهذا غير متوفر في الوقت الراهن.
وفي هذه الحالة، ربما تنفذ واشنطن بعض الضربات الجوية الانتقائية التي تدخل ضمن سياق عمليات «الاستنزاف» لقواعد التنظيم في سوريا، إلا أنها لن تغير المعادلة على الأرض بشكل نهائي.
فالنظام مطالب بنظر واشنطن أن يقاسم السلطة مع المعارضة، ضمن توافق دولي وإقليمي، مع إيلاء أهمية قصوى في تغير بعض الوجوه المعروفة في السلطة والجيش والأمن، في حين يستدعى من المعارضة أن «تنظف» صفوفها العسكرية، وتحاول أن تخرج من مآزق التكاثر والتشتت.
مطالب
تبدو المعارضة السورية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تعزز الروابط والتنسيق مع القوات الكردية وبعض العشائر السنية المناهضة لـ «داعش»، بهدف الإسراع في تشكيل جسم سياسي موحد، يشمل جميع الأطراف السياسية الفاعلة.