حاولت إسرائيل خداع الوفد الفلسطيني المفاوض والوسيط المصري والدول الإقليمية ودول العالم، في مماطلتها خلال مفاوضات وقف إطلاق النار في مصر، بإعلانها قبول الشروط في القاهرة «مبدئياً»، ومن ثم رفضها من تل أبيب «نهائياً»، ومن ثم العودة مرة تلو الأخرى بمسودة تتلو مسودة، فـي نفس الوقت الذي كانت فيه الاستخبارات الإسرائيلية تجمع المعلومات لخطة «اغتيالات»، انكشف بعضها وما زال بعضها الآخر خــفياً، في تصعيد إسرائيلي خطــير، وتضليل سياسي أخطر، وتكتيك حربي وخدعة استخباراتيــة، الغرض منــها التـحرر مــن فكي الهزيمة، بقلب الموازيــن والتــغني بالانتصارات في الساحة الإسرائيلية من جهة، وطاولة المفاوضات من جهة أخرى.

تدارك الخطأ

كان واضحاً قلة المعلومات الاستخباراتية التي اعتادت إسرائيل على التمول بها قبل الشروع في أي حرب، وهو ما ألحق بها هزيمة نكراء في الميدان خلال المعركة البرية، ولم يمنح صواريخها فرصة لاصطياد الأهداف المرجوة من القادة العسكريين والسياسيين، فضلاً عن مخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ والأنفاق النافذة للداخل الإسرائيلي. وهو الخطأ الذي دخل بنيامين نتانياهو المفاوضات لأجل تداركه، فعمد إلى إطالة عمرها لتجييش عيونه وتسليط أجهزته لجمع المعلومات حول قادة الميدان ومسؤولي الأذرع العسكرية للمقاومة، وهو الهدف المعلوماتي الأسهل في ظل التهدئة، بخلاف الأنفاق والأسلحة وغيرها التي تحتاج إلى وقت كبير لا توفره المماطلة، وإن طالت. وهذا ما عبرت عنه القناة العاشرة في نقلها عن مسؤول أمني كبير بالقول: «التهدئات المؤقتة أعطتنا مجالاً كبيراً لجمع المعلومات».

جمع المعلومات

ويشير المحلل السياسي سمير عباهرة، في تصريح لـ «البيان»، إلى أن إسرائيل كانت منذ البداية وما زالت رافضة لاتفاق جديد يقدم للفلسطينيين ما يصبون إليه، مضيفاً: «وما موافقتها إلا لكسب الوقت وتسجيل نصر لها في هذه الحرب من خلال صيد ثمين، هو محمد الضيف الذي فشلت في اغتياله ورفاقه الثلاثة الذين نجحت في اغتيالهم، وهم الشهداء محمد أبو شمالة ومحمد برهوم ورائد العطار وغيرهم ممن حصلت إسرائيل على طرف خيط تتبعهم من خلاله، وهو ما ستكشف عنه الأيام المقبلة إذا ما استمر التصعيد دون تثبيت وقف إطلاق نار».

وشدد عباهرة على أن إسرائيل «ما زالت تسعى إلى الهدوء مقابل الهدوء، من دون منح الفلسطينيين أدنى حقوقهم، وهو ما ستستمر إسرائيل في السعي لتحقيقه حتى إن انطلقت موجة جديدة من المفاوضات، ما لم تتمكن المقاومة من توجيه ضربة قاسية ومفاجئة لا تتوقعها إسرائيل إطلاقاً».

خروج عن السيطرة

ويرى محللون أنه في حال أقدمت إسرائيل على اغتيال شخصية قيادية كبيرة، ستخرج الأمور عن السيطرة، لأن المقاومة الفلسطينية سترد بعنف، الأمر الذي سيؤدي إلى توسيع العمليات العسكرية في الميدان، بحيث تصعد إسرائيل من وتيرة قصفها، وربما تسعى إلى المزيد من الاغتيالات، فيما تصعد المقاومة من وتيرة ضربها للصواريخ، لتصل إلى أماكن وأهداف حساسة داخل العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو ما سيجعل المساعي السياسة والضغوط الدولية من دون معنى أو تأثير، لأن الحسم الوحيد في هذه الحالة سيكون للميدان فقط.

وتيرة محدودة

يختلف المحللون في قراءة مستقبل الأيام المقبلة، بين بقاء التصعيد الميداني بوتيرة محدودة، في انتظار ما سيفضي إليه باب المفاوضات الذي ترك مفتوحاً، برغم المستجدات والعودة لإطلاق النار، وبين انفجار التصعيد وخروجه عن السيطرة، ويستشهد أصحاب الرؤية الأولى (تصعيد محدود)، بأن دعوة مجلس الأمن الطرفين للتوصل، على وجه السرعة، إلى وقف دائم للنار، من شأنه أن يبقي التصعيد في دائرة ضيقة.