تباينت المواقف الرسمية والشعبية البريطانية من مسألة التدخل العسكري في العراق.

فبينما تتلكأ حكومة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بالتدخل العسكري المباشر ضد «داعش»، وتكتفي بمد قوات البشمركة الكردية بالأسلحة، ومد اللاجئين المدنيين بالمساعدات الإنسانية من الجو، أو في أحسن الأحوال توجيه ضربات جوية لأرتال التنظيم الإرهابي وتجمعاته، تتعالى نداءات الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني داعية الحكومة البريطانية الى التدخل بأكثر جدية وفاعلية من أجل وقف المجازر التي ترتكبها «داعش» ضد مكونات المجتمع العراقي وطوائفه المذهبية.

مخاوف من الفشل

ولا يجد المراقبون تفسيراً لتردد لندن في التدخل العسكري المباشر في العراق إلا تخوف حكومة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون من العودة الى الغوص في وحل العراق مجدداً. وما يزيد «طين العراق وحلا» بالنسبة للساسة البريطانيين أن كابوس الفشل الأميركي البريطاني في كل من أفغانستان والعراق لا يزال جاثماً على صدور صناع القرار، وفي أذهان الرأي العام في واشنطن ولندن.

فلا نجح الحليفان الأميركي البريطاني بالقضاء التام على «القاعدة» وحاضنتها حركة طالبان، ولا نجحا في إقامة «دولة مدنية» تحكم كابول وباقي التراب الأفغاني عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات الديمقراطية.

وتكرر الفشل في العراق، فرغم التخلص من نظام صدام حسين، إلا أن المهمة «لم تنجز» كما زعم الرئيس جورج بوش الابن، فالعملية السياسية لا تكاد تخرج من عثرة لتدخل في مأزق، ولا تكاد تنتقل من مأزق حتى ترتطم بأزمة، حتى انتهى الأمر إلى ما نراه اليوم من تناحر سياسي، يقابله سيطرة « دولة الخلافة الداعشية» على مدن وقرى ومقدرات عراقية.

هذا الفشل الذريع للسياسات الغربية في أفغانستان والعراق، ربما يكون «الهاجس» الأهم لتردد الإدارات الغربية وخاصة في واشنطن ولندن من الخوض مجدداً في مغامرة عسكرية مباشرة في العراق.

تعقيد للمواقف

إلى ذلك يرى البعض أن حرباً ضد «داعش» قد تعقد الموقف اكثر مما هو عليه. وبهذا الصدد يقول شارلي كوبر، باحث في شؤون الشرق الأوسط بمعهد كويليام المعني بمكافحة التطرف:«التدخل الغربي لمساندة بغداد بالتصدي لميليشيات (الدولة الإسلامية) لا يعتبر بمثابة حل للأزمة الراهنة ولن يقود إلى حلها.

بل على النقيض: فالتدخل العسكري المباشر من قبل الغرب، سيفاقم الوضع بشكل كبير، وستخرج منه (داعش)، أقوى». ويضيف كوبر: «التدخل الغربي سيعزز دعاية (داعش)، وطروحاتها الجهادية حول التهديد الصليبي».

تحفظات ومخاوف

ومع كل التحفظات أو المخاوف التي تبديها حكومة ديفيد كاميرون من التدخل العسكري المباشر في العراق، إلا أن المراقبين لتطور موقف الحكومة البريطانية إزاء الموقف في العراق، يؤكدون أن حكومة لندن قد تجد نفسها مضطرة الى المشاركة بشكل أكثر «عسكرية» في العراق.

خاصة وهي تستشعر بأن خطر «داعش» الداهم لن يتوقف عند حدود العراق، إذ إن لـ«دولة الخلافة» تطلعات لمد نفوذها الى خارج العراق، باتجاه تركيا ودول اخرى، وهو ما يعتبر تهديداً مباشراً للدول الغربية ومصالحها، وهو ما يستدعي التدخل العسكري لحماية الحدود الجغرافية لأوروبا، وحماية الدول «الحليفة» في الشرق الأوسط.

بل أن رئيس الوزراء البريطاني ظهر نهاية الأسبوع الماضي أكثر حذراً من مخاطر «داعش» عندما قال بصراحة إن «الدولة الإسلامية قد تحاربنا في شوارعنا». ولم يستبعد ديفيد كاميرون تعاون بريطانيا مع إيران للقضاء على تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية».

خشية من الاتهام بالنفاق

الخشية من الاتهام بالنفاق مسألة أخرى تجعل لندن وواشنطن تترددان في التدخل العسكري المباشر في العراق، كما قال كارني روس، المسؤول البريطاني السابق في وزارة الخارجية، عندما كتب في صحيفة «الجارديان» البريطانية ان «سجل الغرب في من يستحق الحماية ومن لا يستحقها مخجل».

لأن الأمر قد يظهر وكأن واشنطن ولندن وباريس التي رفضت التدخل البري في ليبيا، ورفضت أي تدخل عسكري في سوريا، ورفضت مساعدة حكومة رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي عسكرياً عندما سقطت مدينة الموصل في سيطرة (داعش) وباتت تهدد بغداد.

« تنافق»، ولا تتدخل حقاً من أجل إنقاذ المدنيين في العراق، أو لأجل القضاء على خطر «داعش»، بل أنها تتدخل لحماية اقليم كردستان العراق «الدولة الكردية» الناشئة والتي تخوض «حرب استقلال» مسلحة مع «داعش» وحرب «حدود سياسية» مع بغداد.