لا شك أن القصف الأميركي لمواقع تنظيم داعش في مناطق محدّدة في شمال العراق، لم يأتِ دفاعاً عن فئة دينية او حماية أقليات كما يزعمون. فمعظم الدول تعيش انتهاكات فضلت واشنطن التدخل من الباب السياسي دون العسكري، أوباما يسعى إلى استكمال تقسيم العراق إلى «كانتونات» طائفية وعرقية يسهل إضعافها في مواجهة بعضها البعض، فهي تريد أن تدخل من الشباك بعد أن طردت من الباب.

ما يحدث في الدول العربية منذ سنوات مخطط أميركي لتقسيم البلاد العربية، وما يحدث في العراق من استيلاء تنظيم داعش على محافظات التي تعصف ليس ببعيد عن هذه المخطط، لأن الهدف الواضح لقوى الغرب الاستعماري هو تقسيم العراق لثلاث دول، لكل من السنة والشيعة والأكراد، وإيجاد وضع سياسي جديد في ثلاثة أقاليم مستقلة لتلك الطوائف.

صعوبة التقسيم

أميركا مدركة لصعوبات التقسيم فأدت إلى البحث عن وضع ساعد وسهل طبيعة هذا التقسيم، ولا يمكن بلوغ اهدافه الا ايقاع تكريس انقساماتها الدينية والعرقية والمذهبية والطائفية في أي دولة، ولجأت حسب بعض المحللين إلى خلق تنظيم داعش لتقسيم المنطقة.

لقد استخدمت أميركا خلال احتلالها العراق سياسة التقطيع لأوصال المجتمع العراقي ونسيجه الفكري عبر مختلف الإجراءات منها: قانون إدارة الدولة، اجتثاث البعث، حل القوات المسلحة العراقية ودمج الميليشيات في القوات المسلحة أسست لحالة الاحتراب والطائفي، فواشنطن فرضت على العراق إرث الاحتلال الثقيل ولم تتركه يلملم قواه بالرغم من انسحاب جيشها. حيث تماطلت في اعطاء العراق الأسلحة حسب العقود الموقعة، وتنصلت عن معاهدة الدفاع الاستراتيجية المشتركة ما خلق جيشاً هشاً سقط في أول معركة مع تنظيم داعش وفر من الموصل.

تهيئة النفوس

إن سلسلة التفجيرات الإرهابية التي اخذت جرائمها في عهد نوري المالكي ما هي الا تهيئة النفوس ارهابياً الى هذا اليوم المشؤوم الذي بدأ التقسيم الطائفي يأخذ تأييده ومساندته على ارض الواقع العراقي، وكشف أمر تنظيم داعش هذه المرة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلنتون بالحديث عن حقيقة تنفيذ داعش للسياسات الأميركية في المنطقة، وكشف هذه العلاقة من قبل الأميركيين أنفسهم، أبطل مفعول داعش وأدخل هذا التنظيم وأميركا في مرحلة الحرب الضروس.

انتعاش تنظيم داعش في العراق والشام وتحولها إلى بديل لتنظيم القاعدة أعطت التنظيم قوة لا تستهان بها وصارت لها مصالح تتعارض في الكثير من الأحيان مع واشنطن وصار هذا التنظيم يفضل مصالحه على المصالح الأميركية، كما تم إضعاف الجناح الأميركي داخل التنظيم. حيث إنه بعد سيطرته على مدينة الموصل فتحت شهيته على المزيد، ولإدراكه بأن الذهاب إلى بغداد في الوقت الراهن قد يقضي عليه، لذا غير اتجاهه نحو الشمال وقام بهجومه على منطقة ربيعة وزمار وسنجار وشنغال واستطاع هذا التنظيم الإرهابي دحر قوات البيشمركة في مدنهم.

هدية لإيران وسوريا

ويدرك السياسيون في الولايات المتحدة أن تورطهم في ضرب داعش في العراق هو بمثابة هدية لإيران وللنظام السوري لكنها لا تستطيع أن تقبل نمو التنظيم الداعشي وتضخمه ليبتلع العراق ككل ويقبل على المخطط الذي وضعته أميركا في تقسيم العراق.

الحروب دوماً محفوفة بالمخاطر، لكن في هذه تبدو ضمن أضيق نطاق، الرئيس الأميركي باراك اوباما اختار وسيلة واحدة – القوة الجوية – بمهام تنحصر في: منع المسلحين مهاجمة مواقع مخطط لها، في إربيل أو بغداد، أما استعادة المناطق التي بسطت «داعش» سيطرتها عليها، فهو شأن مختلف تماماً، الأمر يتطلب موقفاً عراقياً موحداً.

مشروع بايدن

يعتبر نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن من أبرز دعاة تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم للسنة في الوسط والشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال.

وكشف السناتور بايدن عن خطته لتقسيم العراق إلى اتحاد من مناطق سنية وشيعية وكردية تتمتع بحكم ذاتي في وقت كانت فيه أعمال القتل الطائفية في العراق خارج نطاق السيطرة وتزداد سوءاً.

وقال في مايو 2006 في مقال شارك في كتابته في صحيفة «نيويورك تايمز» «الفكرة مثلما هو الحال في البوسنة هي الاحتفاظ بعراق موحد من خلال إلغاء المركزية وإعطاء كل جماعة عرقية أو دينية كردية أو سنية أو شيعية مجالاً لإدارة شؤونها».