شعر الرئيس السوري بشار الأسد بأمان وقوة أكبر في الشهور الأخيرة الماضية، لا سيما بعد إعادة انتخابه في يونيو الماضي رئيساً، والانتصارات المختلفة التي حققها نظامه في المعارك ضد القوات المعارضة السورية، والعديد من الاقتراحات التي جاءت من قبل بعض المسؤولين الغربيين حول العمل معه لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية».

هذه القوة التي لم تراع المعطيات الواقعية، قدمت له الثقة المفرطة الآنية، لترتد عكسياً وطردياً عليه. ولعل مشهد الجنود الفارين من ويلات «داعش» في النواحي الغربية من الرقة وهي تصارع بوجوه هائمة يسودها الرعب والذعر من مسيرة الضياع في البوادي والبراري من جهة، وخشية الإعدام على يد تنظيم أبو بكر البغدادي من جهة ثانية، توضح مدى المأزق الذي انزلق إليه النظام في الفترات الماضية رغم تحقيقه مكاسب جزئية مثل سيطرته على بلدة المليحة.

استنفاد القوة

هذا الانسداد العسكري برز تماشياً مع استعادة الكتائب المعارضة للمبادرة على مختلف الجبهات، من الجنوب إلى الشمال مروراً بالقلمون وحماة وغوطة دمشق، حيث لم يعد لديه ما يفعله سوى انتظار مصيره المحتوم على حد تعبير المعارض السوري برهان غليون، بعد أن استنفد قواه وقوى حلفائه.

وما المبالغة والإفراط في استخدام البراميل المتفجرة في الأسابيع الأخيرة سوى التعبير عن اليأس الذي انجرف إليه النظام، مع إدراك هذا الفشل وانسداد الطرق وانعدام الآفاق.

الضربة الحاسمة التي هزت كيان النظام العسكري ظهرت في أكثر من جبهة قتالية، ومع ظهور النوايا الجادة بين الفصائل العسكرية لترتيب شأنها التنظيمي وتوحيد القوى المتشتتة، فضلاً عن تطبيق تكتيكات غيرت وجه المعركة عبر استهداف النقاط المحورية بطريقة الكر والفر، وعدم إصرار التشبث بالمواقع الجغرافية بعينها، لتخرج تلك الفصائل من وضعية العسكرية الدفاعية إلى شن الغارات الخاطفة على مواقع القوات النظامية، حيث يتعرض النظام الآن لضغط في الجبهة الجنوبية ومطاري دمشق وحماة والغوطة وحلب وغيرها، بينما يواصل النظام قصف المدن بالطائرات، والتي قد تبدو بأنها لا تضيف إلى رصيده العسكري أية إضافة جديدة.

هذه الانتكاسات الميدانية، ترافقت مع خروج أصوات من داخل الطائفة العلوية تحمل آل الأسد مسؤولية ما آلت إليها الأمور، خصوصاً أن العدد الطردي الملحوظ في نسبة سقوط مقاتلي اwلنظام وصل إلى درجات متزايدة، ليبرز شعار «الكرسي لك يا أسد، والتابوت لنا».

جبهة ضد «داعش»

لكن المشهد الأكثر تأثيراً على النظام في مستهل تقلبات ميدانية، تمثّل بفتح الجبهات القتالية مع قوات البغدادي، حيث فشل النظام في توظيف حملة محاربة الإرهاب، لإقناع المجتمع الدولي والغرب خصوصاً بفائدة إعادة تأهيله للمشاركة في الحرب على الإرهاب، لينفجر الصراع بينهما دون وجود مؤشرات دولية واضحة تقف بجوار القوات النظامية، حتى ذكرت مصادر روسية بأن موسكو أرجأت تزويد النظام السوري بطائرات مقاتلة ومنظومة الدفاع الجوي الصاروخية «إس 300» معللة ذلك بأن دمشق لم تسدد ثمنها. ليجد النظام نفسه يسقط تحت ضربات قوات البغدادي.

ومن شأن هذه التطورات أن تضيق الخناق على النظام الذي لا يزال يكابر في إنهاء النزاع لصالحه عبر الحلول العسكرية، ويسد الأبواب أمام المخارج السياسية، بذريعة قيامه بالمحاولات السياسية التي تصنف بأنها مقاس حسب عقليته الأمنية الاقصائية من قبيل إجراء المصالحات المحلية والهدن المؤقتة، ورفض جذري لتقاسم الحلول التشاركية مع معارضة الداخل والخارج معاً.

انسحاب ميليشيات

ما يزيد من عوامل النظام هو انسحاب حلفاء ميدانيين إلى الوراء متزامناً مع انتقال النيران الصراع إلى داخل لبنان والعراق، لتنسحب بعض المليشيات العراقية وعناصر حزب الله المتواجدة في سورية إلى الخطوط التماس في كل من العراق ولبنان مع خاصية إعادة انتشارها وتموقعها في تلك المحاور، لتتقدم القوات النظامية عنوة في سد الفراغ الناشئ في ظل افتقارهم خوض مقومات القتال مع المجموعات المعارضة المتحركة.