كانت الأنظار تتجه صوب مطار كويرس العسكري في ريف حلب الشرقي، الذي فرض عليه «داعش» حصاراً خانقاً بغية السيطرة عليه، غير أن استراتيجية التنظيم العسكرية قلبت التوقّعات والرهانات مجدداً، ليتوجه ضرباتها العسكرية ضد الفصائل المعارضة التي تتمركز في بلدة أخترين وقرى تركمان في ريف حلب الشمالي في معركة أطلقوا عليها «الثأر للعفيفات».
لم يدم القتال طويلاً حتى انضمت أخترين ضمن خريطة الخلافة، بعد صمود مقاتلي المعارضة على مدى الأربعة شهور الماضية، لتنشرح هذه المدينة الاستراتيجية أمام أرتال «داعش»، وليقترب من خلالها نحو مدينتي إعزاز الحدودية ومارع معقل الجبهة الإسلامية في الريف الشرقي.
خيار تكتيكي
أسباب عديدة تقف وراء هذا التقدّم المباغت من قبل تنظيم البغدادي، فقد بات ملاحظاً في الآونة الأخيرة أنّ الخيار التكتيكي العسكري الظاهر لدى «داعش» يتمحور في استهداف خصومه الذين يعانون من الضعف والهشاشة والتشتّت من الناحية التنظيمية والعسكرية، فهي بذلك تتجنب خوض المعارك الاستنزافية لا طائلة منها في الأمد القريب، وترجح عوضاً عنها في كسر شوكة الخصوم ضمن عمليات عسكرية تعتبرها صيداً سهلاً، ويمكن جني المكاسب الميدانية في أيام معدودة.
وهذا التكتيك المتبع عادة ما ترافق مع نجاحها دوماً في اختراق صفوف الخصوم عبر زرع الخلايا النائمة وفق ما جاء في بيان جبهة الأكراد وهي إحدى الفصائل المشاركة في القتال هناك، حيث اتهمت الجبهة فصائل لم تأتي على ذكر أسماؤها، بالتواطؤ مع تنظيم داعش بفتح الممرات له بغرض حصار أخترين وتركمان، فيما تراشقت جبهة النصرة والجبهة الإسلامية اتهامات متبادلة وصلت إلى حد الخيانة على خلفية سقوط هذه البلدات الحيوية، وذات الأمر ينسحب على فصائل الجيش الحر التي ساقت المبررات المماثلة ضد نظرائها في تحميل مسؤولية الهزيمة.
انسحاب قادة
ومن بين الاتهامات الأكثر وضوحاً تلك التي نشرها جبهة الأكراد في تأكيد انسحاب العديد من ضباط وقيادات الفصائل العسكرية قبل بدء المعارك، بينما كان الأمراء الموجودون على معبر باب السلامة كانوا لا يزالون على رأس عملهم يقومون بفرض الإتاوات على الأهالي.
أسباب هزيمة
ومهما يكن من الأمر، فإنّ المراقبين العسكريين يحيلون هذه الهزيمة إلى نقطتين رئيستين: الأول الفقر والحرمان من الاهتمام والذخيرة والسلاح، وتوزيع هيئة الأركان التابعة للائتلاف الوطني الأموال والسلاح على جماعات مسلحة صغيرة انساقت وراء كسب الأموال والمناصب على الأرض على حساب جماعات أكثر تنظيماً وعدداً وإخلاصاً في محاربة داعش والنظام، فيما السبب الثاني برز في استخدام داعش حيلة عسكرية، إذ أوحى للثوار بتقدّم التعزيزات العسكرية القادمة من الرقة عقب سيطرتها على الفرقة 17 واللواء 93 على المطار كويرس العسكري بهدف تشديد الحصار، ليطال هذه الحيلة وفق ما نقلته النشطاء على مواقع لتواصل الاجتماعي على معظم الفصائل المرابطة في أخترين وغيرها من البلدات المجاورة، نظراً لاستداراتها فجأة صوب المناطق المعارضة في ريف حلب الشمالي.
سيناريوهات «داعش»
لا ريب أن التمدّد، سيعزّز سيناريوهات قد يقدم عليها «داعش»، فتمركز قوات البغدادي في أخترين ربما يقطع خطوط إمداد لمقاتلي المعارضة، ويرجح ناشطون نية التنظيم في اقتحام مارع، وتل رفعت في سعيهم السيطرة على إعزاز الاستراتيجية، وتالياً قد يفرضون هيمنتهم على باب السلامة الحدودي مع تركيا، نظراً لأهميته لمعظم المناطق خارجة عن سيطرة النظام.
كما لا يُستبعد أن يلتفت التنظيم نحو مدينة حلب، ويستغل انشغال الكتائب العسكرية في حربهم ضد النظام، لتعزيز وجوده على حساب الكتائب الإسلامية والثورية المعارضة.
ويضاف إلى هذا السيناريو أهمية هذه المنطقة الجغرافية من الناحية الاقتصادية، فإن كانت لا تتمتع بثروات نفطية تثير شهية داعش، كما في المحافظات الشرقية، إلا أنها قد تمهد لها السيطرة على الطرقات الرئيسة التي تدر من خلالها الضرائب المالية الباهظة، كما تحقق لها توسع خريطتها الجغرافية على حساب خصومها في ريف حلب وإدلب، وتفرض في آن معاً حصار خانق على مدينة عفرين ذات الأغلبية الكردية، طالما أنها تخوض حرباً شاملة ضد الأكراد.