أنهى العراق أمس حقبة طويلة امتدت ثمانية أعوام، من رئاسة نوري المالكي للحكومة الذي ما زال متشبثاً بها، حتى بعد تكليف الرئيس فؤاد معصوم لمرشح التحالف الوطني حيدر العبادي تشكيل الحكومة.

وفيما أثار انتشار مسلحين وقوات عراقية في أحياء بغداد وقرب قصر الرئاسة ليلة أول من أمس مخاوف من تهديد بـ«انقلاب» ينفذه المالكي، خصوصاً بعد حكم تبين أنه لا أساس له من الصحة، قضى بأن الكتلة الأكبر هي ائتلاف دولة القانون.

فإن التضامن الواسع الذي لقيه معصوم من المجتمع الدولي جنّب العراق أزمة جديدة، في ظل تحكم رئيس الوزراء السابق بمفاصل الجيش الذي حذره وزير الخارجية الأميركي جون كيري من «إثارة المشكلات».

في وقت كانت طائرات أميركية تحلّق فوق قصر الرئاسة دعماً لتنحية المالكي، وانهالت التهاني على الرئيس ورئيس الوزراء الجديد من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التي طلبت من الجيش عدم التدخل في عملية انتقال السلطة.

وطلب الرئيس فؤاد معصوم من القيادي في حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه المالكي، حيدر العبادي، قيادة حكومة يمكنها كسب تأييد البرلمان المنتخب في أبريل الماضي. وفي تصريحات بثها التلفزيون، حضه معصوم على تشكيل حكومة «ذات قاعدة عريضة» خلال شهر.

تعاون ضد الإرهاب

وقال العبادي، في تصريحات أذيعت بعد لقاء معصوم: «علينا أن نتعاون جميعاً للوقوف بوجه الحملة الإرهابية على العراق، وإيقاف كل الجماعات الإرهابية».

وحضر مراسم تكليف العبادي من قبل رئيس الجمهورية مسؤولون كبار، بينهم رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ورئيس التحالف إبراهيم الجعفري، ونائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة حسين الشهرستاني، وزير الخارجية بالوكالة.

وجاء تكليف العبادي بعد ترشيحه من قبل التحالف الوطني بدلاً من رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي. ووفقاً للدستور، يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكيان السياسي الأكبر في البرلمان، لتولي منصب رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة.

وربما لا يرحل المالكي (60 عاماً) الذي تولى الحكومة عام 2006 في هدوء.

وقال صهره حسين المالكي لوكالة «رويترز» إنهم لن يظلوا صامتين إزاء تكليف العبادي تشكيل الحكومة. وأضاف أن ترشيح العبادي غير قانوني وينتهك الدستور، وأنهم سيلجأون إلى المحكمة الاتحادية للاعتراض على الترشيح.

تحذير أميركي

وبعد دعم واشنطن محاولات معصوم إنهاء الجمود الذي استمر ثلاثة أشهر عقب الانتخابات البرلمانية، وأضعف رد بغداد على هجوم الدولة الإسلامية، دعا وزير الخارجية الأميركي جون كيري المالكي لعدم اللجوء إلى القوة، وعدم «إثارة المشكلات».

وفي تصريحات محددة موجهة إلى المالكي، قال كيري إن «عملية تشكيل الحكومة مهمة فيما يتعلق بتحقيق الاستقرار والهدوء في العراق، وأملنا هو ألا يثير السيد المالكي المشكلات».

وأضاف: «شيء واحد يحتاج كل العراقيين إلى معرفته، وهو أنه سيكون هناك القليل من الدعم الدولي من أي نوع كان لأي شيء يحيد عن العملية الدستورية الشرعية القائمة، ويجري العمل عليها الآن».

وبينما كانت تغلق قوات من الشرطة، ووحدات من قوات النخبة المسلحة التي تلقّى الكثير منها التسليح والتدريب على يد الولايات المتحدة، شوارع العاصمة، قال كيري: «يجب عدم استخدام القوة أو الدفع بقوات أو ميليشيات في هذه اللحظة من الديمقراطية من أجل العراق».

تهنئة دولية

وحيا نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال مكالمة هاتفية مع معصوم، تسمية العبادي، ووصفه بـ«الخطوة الحاسمة». ودعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند رئيس الحكومة العراقي المكلف لتشكيل حكومة وحدة وطنية بشكل سريع، لمواجهة تهديد الإسلاميين المتطرفين في العراق.

بدورها، دعت بعثة الأمم المتحدة في العراق القوات الأمنية إلى عدم التدخل في عملية الانتقال السياسي التي تشهدها البلاد، بعد تكليف حيدر العبادي تشكيل حكومة بدلاً من المالكي.

وقال بيان، نقلاً عن رئيس البعثة في العراق نيكولاي ملادينوف، إنه «ينبغي أن تبتعد قوات الأمن العراقية عن الإجراءات التي يمكن أن ينظر كأنها تدخل في المسألة المتعلقة بالانتقال الديمقراطي للسلطة السياسية».

كما رحب ملادينوف في البيان ذاته، بقرار الرئيس العراقي تكليف العبادي تشكيل الحكومة.

وقالت مصادر خاصة لـ«البيان» إن طائرات أميركية تحلّق فوق المنطقة الخضراء منذ ليلة أول من أمس لحماية الرئيس فؤاد معصوم من أي تدخل من قوات الجيش التي يحركها المالكي. وأعلنت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماري هارف أن «الولايات المتحدة تدعم بشكل كامل الرئيس فؤاد معصوم في دوره كضامن للدستور العراقي».

الانتشار العسكري

وأخفق المالكي في إحباط تنحيته، عندما أعلن أنه سيقدم شكوى رسمية ضد رئيس الجمهورية في المحكمة الاتحادية العليا لخرقه الدستور.

وقال المالكي، في خطاب متلفز إلى الشعب العراقي ليلة أول من أمس، إن رئيس الجمهورية خرق الدستور مرتين، حين مدد فترة إعلان الكتلة الأكبر التي انتهت الخميس الماضي، وعندما تعمد عدم تكليف مرشح دولة القانون ككتلة أكبر.

يأتي هذا في وقت شهدت فيه ساعة متأخرة من مساء الأحد، انتشاراً مكثفاً، تحسباً لأي طارئ، خصوصاً مع قرب انتهاء المهلة الدستورية لتكليف مرشح الكتلة الأكبر لمنصب رئيس الوزراء، فيما أشار المصدر إلى وصول تعزيزات عسكرية من وحدات مشتركة وقوات مكافحة الإرهاب إلى بعض مناطق العاصمة.

وأوضح المسؤول أن هذه الإجراءات الأمنية «هي استثنائية، وتشبه تلك التي نفرضها في حالة الطوارئ».

وقال مسؤول في وزارة الداخلية: «أغلقت العديد من الشوارع، وكذلك الجسور الرئيسة». وأضاف أن «هذا كله مرتبط بالوضع السياسي».

وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة تعتبر التصريحات التي تنم عن التحدي، والتي أدلى بها المالكي، مثيرة للقلق، ولكنها لا ترى ما يشير إلى تعبئة القوات العراقية بأسلوب غير معتاد، على الرغم من الأجواء المتوترة في بغداد.

وقال المسؤول الذي تحدث شريطة عدم نشر اسمه إنه تحدث مع معصوم ومساعديه الذين نفوا تقارير قالت إن دبابات تحاصر المجمع الرئاسي.

المحكمة الاتحادية والمادة 76

نفت المحكمة الاتحادية العراقية في بيان أن تكون أصدرت قراراً يبت في الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء السابق حول الكتلة البرلمانية الأكبر، بما قد يدعم مساعي المالكي للترشيح لولاية ثالثة. وكان تلفزيون «العراقية» الحكومي ذكر، في خبر عاجل صباح أمس، أن «المحكمة الاتحادية أصدرت قراراً، تؤكد فيه أن دولة القانون هي الكتلة البرلمانية الأكبر».

إلا أن بيان المحكمة الذي نُشر على الموقع الإلكتروني الرسمي، وهو رد على رسالة من رئيس الجمهورية، يكتفي بالتذكير بقرار المحكمة الصادر في مارس 2010.

وهذا القرار يؤكد أن الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً، يعني إما «الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات ومن خلال قائمة انتخابية واحدة حازت أكثر عدد من المقاعد»، أو «الكتلة التي تشكلت من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية التي دخلت الانتخابات، ثم شكلت كتلة واحدة ذات كيان واحد في مجلس النواب».

وذكر البيان أنه وفقاً للمادة 76 من الدستور، يتولى رئيس الجمهورية تكليف الكتلة التي أصبحت مقاعدها النيابية في الجلسة الأولى أكثر عدداً من الكتل الأخرى. الوكالات