تعد محافظة بابل، وخاصة مناطقها الشمالية، المحاذية لبغداد، خاصرة العراق، وكانت في العهد العثماني أهم أضلاع «المثلث التركي»، الذي أطلقت عليه في عهد الاحتلال الأميركي تسمية «مثلث الموت»، وكان العثمانيون يديرون هذا المثلث عسكريا من منطقة المدائن (سلمان باك) جنوب بغداد، للسيطرة على تلك المنطقة التي ترتبط ببغداد شمالاً.

والأنبار غرباً، وواسط شرقاً، ما يعني أنها يمكن أن تعزل العاصمة، لاسيما وان امتدادات هذه المناطق ترتبط، جغرافيا وعشائريا، بشمال بغداد من خلال الأنبار غربا وديالى شرقا.

حملات تطهير

وما يميز هذا الحزام أنه يتكون ديموغرافيا من غالبية سنيّة شبه مطلقة، وكان من أبرز مناطق المقاومة العراقية، إضافة إلى انه يمثل تهديدا حقيقيا للعاصمة بغداد، وقد عرفت مناطق جنوب بغداد (شمال بابل) بانها من اخطر المناطق بالنسبة للقوات الأميركية، التي منيت فيها بخسائر كبيرة، فيما تكمن خطورته بالنسبة للحكام الجدد في العراق، في انه يمكن أن يقطع الطريق على «المزارات المقدسة»، الأمر الذي جعل هذه المناطق مستهدفة بشكل عام على الهوية، وشهدت خلال اكثر من عشر سنوات حملات تطهير ديموغرافي، من تهجير وقتل واعتقالات.

بهدف إفراغها من سكانها، والمجيء بسكان غيرهم، لم يستطيعوا المكوث طويلاً، رغم الحمايات المكثفة، والانتشار الكبير للقواعد الأميركية، وقواتها، التي احدث انسحابها تخلخلا ملحوظا في ميزان القوى، وكان العامل المساعد الأهم فيه، النهج الطائفي القاسي للجهات الحاكمة، الذي أجج مشاعر السكان.

ومع السلوكيات الطائفية، والتدهور السياسي، عادت الحياة لـ«مثلث الموت»، لتضاف إليها طلبات الثأر، والنزعة القتالية المثيرة للاستغراب.

فناحية جرف الصخر، مثلاً، التي لا يزيد طولها على سبعة كيلومترات، وبنفس العرض تقريبا، استنفدت عدة فرق عسكرية حكومية، ومئات، وربما آلاف المتطوعين، ولم تتمكن القوات الحكومية من السيطرة عليها، ما استدعى إلى مشاركة قيادة قوات بغداد مع قيادة قوات بابل، في القتال، من دون جدوى، فانضمت إليهما القيادة العامة للقوات المسلحة.

تغييرات بلا مقابل

ويلاحظ المراقبون السياسيون والعسكريون أن قيادة عمليات بابل، شهدت منذ تشكيلها في شهر مارس الماضي تعيين واستبدال خمسة من قادتها، ما يعكس صعوبة الوضع الأمني وتطوراته في المحافظة بما تمثله من وسادة أمن محافظات الفرات الأوسط كما يصفها الخبراء الأمنيون، فيما يصفها آخرون بأنها «خاصرة العراق» المثيرة للأوجاع.

وقررت القيادة العامة للقوات المسلحة في 24 من مارس الماضي تشكيل قيادة عمليات بابل من اجل التركيز على إدارة الملف الأمني في المحافظة، وشمالها تحديدا، وفصلها عن إدارة قيادة عمليات الفرات الأوسط.

ويؤكد المراقبون، أن عمليات التغيير المستمرة في قيادة عمليات بابل كانت موضع انتقاد وتحذير بنفس الوقت من خبراء عسكريين لأن من شأنها أن تؤدي إلى إرباك في الوضع على الأرض، لتغيير القادة والخطط «إن وجدت».

قرارات متخبطة

وبهذا الشأن، يقول الخبير العسكري جودت رحيم العبيدي إن العبرة ليس بتغيير قائد العمليات ووضع آخر أعلى رتبه منه، وعلى القائد العام للقوات المسلحة اختيار الأشخاص من أصحاب الخبرة العالية. ووصف الخبير العسكري قرارات تغيير قيادة العمليات في بابل بـ«المتخبطة وتشير إلى غياب خطط أمنية ناجعة تحد من العمليات المسلحة التي تستهدف قوات الجيش، فضلاً عن المدنيين».

ولم تمض على استقدام القائد الرابع لعمليات بابل اللواء عبد الحسين البيضاني نحو شهرين حتى تم استبداله بالعميد الركن رحيم كاظم رسن، الذي عُين هو الآخر قبل أيام بمنصب معاون قائد العمليات بسبب إخفاق البيضاني في معالجة الخروق المتكررة في مناطق شمالي بابل وأبرزها جرف الصخر التي شهدت مؤخرا سيطرة المسلحين عليها.

محطة اختبار

وكان للحكومة المحلية في بابل رأي آخر، حيث عدت هذا التغيير المتكرر للقادة الأمنيين أمراً صحيحاً وأنه لابد من تغييرهم بشكل دوري لمعرفة أصحاب الكفاءات والقادرين على إدارة الملف الأمني «بما يحقق تنفيذ الخطط الموضوعة للقضاء على الإرهاب».

فيما كشف خبراء الأمن أن عمليات بابل أصبحت تدار بشكل مركزي من حيث تعيين القيادات والإشراف على العمليات، وأن ما يعزز ذلك هو التغيير بقادة العمليات من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، دون أخذ رأي المحافظة، وذلك لا يخدم المحافظة بل العكس.

إشراف مباشر

كشف المستشار الأمني لمحافظ بابل ثامر الخفاجي أن «عمليات بغداد أصبحت مشرفة على عمليات بابل وبشكل مباشر ودوري وهناك تنسيق عال بين الجانبين»، فيما قال رئيس مجلس بابل رعد الجبوري إن «عمليات بابل تتسع بشكل كبير، وهناك دعم لها من قبل مكتب القائد العام للقوات المسلحة لتحرير ناحية جرف الصخر بالكامل».

وعزا الجبوري الهدف من تغيير قادة عمليات بابل هو لمواكبة العمليات العسكرية التي تجري داخل جرف الصخر، لاسيما مع تغيير المسلحين لأساليبهم.

وبهذا الشأن يقول رئيس لجنة الأمن لمناطق الوسط والجنوب بمجلس بابل فلاح الراضي، إن «التغييرات التي حدثت داخل عمليات بابل تعود لعدم وجود دعم كاف لقوات الجيش، ما جعل هناك نقاط ضعف في بعض المواقع العسكرية».