في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وهي ذات الأكثرية السنية في سوريا، يبدو أن هامش المراوغة والحركة التي تحاول الجماعات المحلية والإسلامية المناوئة تنفيذها داخل هذا الجسد تصطدم ببطش تنظيم أبوبكر البغدادي الذي يسير وفق منهجية سياسة تطهير دائرة نفوذه من كل العراقيل والثغرات التي قد تهدد كيانه الناشئ.
ولا تقتصر المواجهات العنيفة ضد الكيانات المعارضة السورية التي تطغى عليها الطابع العشائري في دير الزور، بل تطال تلك القوات النظامية المتبعثرة حول محافظة الرقة، فضلاً عن شن الغارات الاستنزافية ضد المناطق الكردية السورية.
وآخر حلقات المواجهات الشرسة في هذا السياق برز في عودة «داعش» ليفرض سيطرته على مناطق كان خسرها خلال الأسبوعين الماضيين في ريف دير الزور بعد معارك مع مسلحي العشائر المحلية، التي تعتبر العصب الرئيسي في دير الزور.
ففي منطقة الشغفة، نقل ناشطون أن إعدامات ميدانية نفذت بحق عشرات من شبان عشيرة الشعيطات التي اشتبكت مع «داعش» في تلك المنطقة، وبالفعل بثّ التنظيم صوراً لعملية الإعدام لإثارة الرعب بين السكان.
وأوضح حميد شهاب الجبوري أحد معارضي النظام السوري و«داعش» معاً أن «ما يحدث لأطفال الشعيطات يفوق بكثير ما حدث في سنجار، ففي الشعفة ذبح داعش 240 طفلاً من أبناء الشعيطات النازحين وعلق رؤوسهم على أسوار المدينة».
استراتيجية البغدادي
ووفق المعطيات الميدانية، يبدو أن استراتيجية تنظيم البغدادي لا تتوقف عند القضاء على خصومه المخالفين من الناحية العقائدية، فهو يستهدف بشكل جذري كل من يعرقل وصوله إلى الثروات المالية، لا سيما حقول النفط الموزعة في دير الزور.
وعملية إعدام التنظيم ما لا يقل عن 19 رجلاً وشاباً في بادية دير الزور بالقرب من حقل العمر النفطي الذي سيطر عليه، يكشف هذا المسعى.
ووفقاً لنشطاء، فإن الذين أعدمهم «الدولة الإسلامية» هم حراس وعمال في آبار النفط الموجودة في بادية الشعيطات في الريف الشرقي لدير الزور، حيث إن التنظيم اعتقلهم أثناء سيطرته في الثالث من شهر يوليو على هذه الآبار التي كانت تسيطر عليها الهيئة الشرعية المؤلفة من «جبهة النصرة» و«الجبهة الإسلامية» وعدة كتائب إسلامية.
حتى اعتبرت المصادر الإعلامية المتعددة بأن هذه الإعدامات تعد من أكبر عمليات إعدام رجال تشهدها محافظة دير الزور منذ بدء الاشتباكات فيها منذ بداية فبراير الماضي.
حصار خانق
وفي موازاة ذلك، يفرض «داعش» حصارا خانقاً على مطار كويرس العسكري في ريف حلب ومطار الطبقة العسكرية في غربي محافظة الرقة، حيث يحاول جاهداً تخلص من فلول القوات النظامية التي تعد بمثابة شوكة تقف في طريقها.
ووفقا للمراقبين، فإن «داعش» يحاول أن يكسب من هذا الأمر عدة أهداف حيوية مترابطة.. أولاً اجتثاث القوات العسكرية النظامية تماماً من المناطق الشمالية الشرقية وثانياً الاستيلاء على الأسلحة المتطورة والثقيلة المخزنة في تلك الثكنات العسكرية النظامية.
وبدأت هذه الأهداف ترى النور مع اقتحام التنظيم اللواء 93 في ريف الرقة الغربي في ظل تقهقر القوات النظامية جراء عدم تلقيها المساعدات الجوية المطلوبة، حتى اعتبر البعض أن النظام تساهل مع «داعش» لتسليم المنطقة الشرقية برمتها إلى تنظيم البغدادي من أجل تمكينه عسكرياً ضمن سياسة المنفعة المتبادلة والسعي لخنق الفصائل المعارضة.
نفوذ
يحيل عضو الائتلاف الوطني يحيى مكتبي المعارك الدائرة بين النظام و«داعش» في الرقة ودير الزور إلى سعى النظام من خلاله تقوية نفوذ التطرف في المنطقة، وإلى محاولة خنق الكتائب المعرضة على حساب قضم مساحات واسعة لصالح «داعش».