رفح تلك المدينة الأشبه ببلدة صغيرة تمتد قليلاً على الحدود الجنوبية لقطاع غزة مع مصر، تلك المدينة المنكوبة كغيرها من أوصال قطاع غزة التي مزقها الاحتلال الإسرائيلي منذ أعوام بحصاره الخانق عليها وحروبه المتكررة، رفح التي شطرتها الحدود جزأين، رفح مصر ورفح غزة، هي اليوم محور عدوان إسرائيل على قطاع غزة، بمبررات واهية وأسباب تستدعي التأمل.

ففي اليوم الثامن والعشرين لحربه الشعواء، أعلن الاحتلال من طرف واحد «هدنة إنسانية» في القطاع لسبع ساعات تستثني تلك المدينة المنكوبة، رغم اعتراف الاحتلال أن سبب شن هجمته المسعورة لم يعد موجوداً بعد عثوره على أشلاء من جنديه المفقود هدار غولدن، الذي يبدو جلياً أنه اختلق رواية اختطافه.

لماذا رفح؟

وبعد إعادة الانتشار قوات الاحتلال والانسحاب الجزئي من مناطق متفرقة من قطاع غزة مطلع الأسبوع الجاري، تبقى منطقة شرق رفح هي الخاصرة الوحيدة التي ما زالت تتواجد فيها قوات ودبابات إسرائيلية.

الخبير الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط عودي بلانغا فسّر الانسحاب الجزئي المفاجئ لقوات الاحتلال قائلاً: «لا أرى منطقاً للبقاء هناك أو حتى إنشاء حزام أمني على حدود القطاع، لأن القوات ستصبح هدفاً للمقاومة، وستستغل حركة حماس ذلك من أجل مواصلة القتال».

ولكن بحسب خبراء، فإن مدينة رفح هي محور استراتيجي في معادلة الاحتلال العسكرية لثلاثة أسباب، أولاً: اتساع نطاق أنفاق المقاومة الممتدة على الحدود الشرقية للمدينة، والتي نفذت من خلالها عمليات نوعية، وكبدت الاحتلال خسائر بشرية ومادية فادحة، في ظل فشل ذريع منيت به إسرائيل في اكتشاف جزء كبير منها، رغم إمكاناتها الضخمة وحملتها العسكرية التي قاربت على الشهر هناك.

ثانياً: الأنفاق الممتدة على طول الشريط الحدودي مع مصر، والتي يصل طول بعضها إلى ثلاثة كيلومترات في عمق المدينة، ما يجعل من الصعوبة البالغة اكتشافها وتدميرها، والتي تمثل بطبيعة الحال مأزقاً للسلطات المصرية، لجهة عدم قدرتها على السيطرة عليها، كما أنها تمثل هاجساً للاحتلال كونها منفذاً لمختلف الاحتياجات التي يمنع دخولها للقطاع المحاصر.

ثالثاً: معبر رفح البري، الذي يمثل المنفذ الوحيد لقطاع غزة، باعتبار أن إسرائيل تتحكم كلياً بمعبر بيت حانون شمال القطاع، لا سيما في ظل عدم التوصل لصيغة مقبولة من الجانبين المصري والإسرائيلي ومن الفلسطينيين بشقيهم السلطة الوطنية «وحماس» لجهة إدارته والسيطرة عليه.

استهداف مدنيين

وتنفيذاً لمخططها البشع، تواصل إسرائيل استهداف المدنيين في رفح بشكل عشوائي ولكنه مدروس، حيث قصفت أول من أمس مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» تؤوي مئات النازحين الفلسطينيين الذي هربوا من جحيم الحرب، آملين أن يجدوا فيها أمناً وطمأنينة لم تعد موجودة في القطاع بأكمله.

الشهداء الذين سقطوا أمام المدرسة المستهدفة هم باعة بسطاء حاولوا كسب لقمة عيشهم في هذا المكان المكتظ، وهم أيضاً أطفال التفوا حولهم لشراء الحلوى التي لم تصل مخيلتهم البريئة إلى اعتقاد أنها باتت محرمة في تلك الحرب، ومنهم مارة حاولوا استغلال الهدوء الحذر الذي خيم لساعات على المدينة لشراء حاجياتهم. ولكن يبدو أن الرسالة الواضحة التي يرسلها الاحتلال لهم جميعاً: «اهربوا من تلك المدينة واتركوا لنا المقاومة وحدها معزولة».

مشاهد مؤلمة

مشهد آخر كان صادماً بالنسبة لي بينما كنت أحاول الاتصال بأخي علاء، الذي يصغرني بعام ويأبى أن يترك منزله في رفح، وبعد محاولات متكررة في الاتصال بهاتفه النقال بدا صوته متماسكاً رغم شعوري بالأنين الذي يختلج صدره.

سألته بشكل مباشر وبسيط: «كيف حال الجميع؟»، فأجاب بمنتهى البساطة: «الكل في أحسن حال». كررت سؤالي له: «هل أنت متأكد؟» فأجاب: «نعم، جميعنا بخير، ولكن جارنا المسن أبو وسام استشهد الآن بصاروخ مباشر من طائرة حربية قصفته بينما كنا جميعاً عائدين من صلاة الظهر في مسجد الحي، وكان يسير خلفنا حاملاً كتاب القرآن، صائماً الستة من شوال».

وبينما عجزت عن الرد عليه، واكتفيت بالنحيب والبكاء لما حل بهذا الرجل المسكين وقلقاً على أخوتي الذين لربما كانوا قد استشهدوا معه، استطرد أخي قائلاً: «لقد كان رجلا بسيطا وطيبا، حاولنا إسعافه ولكنه فارق الحياة كسرعة البرق».

تلك هي حال الفلسطينيين في قطاع غزة عموماً، تنطبق عليهم تماماً مقولة شاعرنا الراحل محمود درويش: «إن سألوك عن غزة قل لهم: بها شهيد يسعفه شهيد، ويصوّره شهيد، ويودّعه شهيد، ويصلي عليه شهيد».