بالرغم من بشاعة العدوان الإسرائيلي على غزة، وما ينتج عنه من كوارث إنسانية أحالت غزة إلى منطقة منكوبة، إلاّ أنّ الخطة الأميركية لما بعد العدوان سيتمخض عنها اتفاق تهدئة طويل الأمد، تثير مخاوف تتجاوز الكارثة الإنسانية إلى كارثة سياسية محققة بعد ان أعادت واشنطن خيوط اللعبة السياسية فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى يدها، مطوقة بذلك رقاب القيادة الفلسطينية وتمثيلها الشرعي بالتلويح بالبديل الإقليمي، المشغل الوحيد لماكينة المقاومة الفلسطينية.

مناورة أميركية

وفي تحليل الوضع القائم يرى المحلل السياسي عبد الله البوم في تصريح لـ«البيان» أن الإدارة الأميركية وجهت من خلال إعطاء الضوء الأخضر لاستمرار الحرب الجارية في غزة، رسائل فلسطينية إسرائيلية شرق أوسطية بإعادة اسرائيل إلى الحضن الاميركي هرباً من صواريخ المقاومة الفلسطينية وما طرأ عليها من تطور، ورسائل للقيادة الفلسطينية في الضفة بجاهزية البديل المتمثل في حركة حماس.

ترجمات سياسية

وفي ذات السياق يقرأ الكاتب عوني المشني، قول أوباما في مكالمته الأخيرة لنتانياهو بصراحة «وقف اطلاق نار فورا والولايات المتحدة تضمن تجريد حماس والقوى المتشددة من السلاح في الحل النهائي للقضية الفلسطينية»، وفي محاولة ترجمة مكالمة اوباما الهاتفية الى مفردات سياسية وقراءة انعكاسها على الموافقة على التهدئة لثلاثة أيام.

يقول المشني: «وقف اطلاق النار ليس قرارا اسرائيليا والولايات المتحدة عندما تريده فهو مفروض على اسرائيل وليس لها خيار في التنفيذ، من يدفع ويسلح يقرر، فمصلحة الولايات المتحدة هي الاهم وما على اسرائيل سوى التنفيذ» ويتابع: «والآن اميركا تقول: وقف اطلاق نار فوري، اسرائيل ستنفذ ومجبرة، انتهى هامش اللعب الاسرائيلي والقول الجاد الآن لأميركا».

استعراض قوة

ولتحقيق ذلك استعرضت واشنطن قوتها ونفوها لتطويع جميع الأطراف كل على حدة من خلال تعهدها بإزالة تهديد «حماس» لأمن اسرائيل بحسب التوقيت السياسي الأميركي عند الحل النهائي للصراع الفلسطيني الاسرائيلي، عندما تنصاع للإرادة الأميركية وتوافق على رؤيتها للحل النهائي.

وجاء مؤتمر باريس حاملا بالرسائل التي خططت لها واشنطن بحسب الكاتب المشني الذي يؤكد على أن مؤتمر باريس أعطى الضوء الاخضر بأن حماس في الجيب اذا ما حفظ دورها في اتفاقية الحل النهائي.

مضيفاً: «وهذا الدور محفوظ في حكومة التوافق والتي ستكون الى جانب قيادة موحدة وممثلة لكل الفصائل لمنظمة التحرير الفلسطينية وغطاء لاتفاقية الحل النهائي».

فرض الرؤية

وبهذا الشكل اعادت الحرب على غزة للولايات المتحدة دورها وقوتها وموقعها في معادلة الحرب والسلام في المنطقة بإعادة ترتيب الأوراق والأدوار لتكون بيد واشنطن بامتلاك ادوات اللعب لفرض رؤيتها للحل النهائي للصراع في المستقبل القريب.

الرسالة الأميركية

يشير المحلل الفلسطيني عوني المشني إلى أن الرسالة الأميركية وصلت لـ«حماس» التي أدركت اكثر من ذي قبل انها وان استطاعت تحقيق نصر معنوي فإن ترجمته الى لغة سياسية لا يمر الا بموافقة أميركية، وأبو مازن بات يشعر اكثر من ذي قبل ان هناك من هو جاهز لتسلم المهمة والسير في المركب إذا أصر على رفض الانصياع، فالحركة تنتظر في الطابور لأي دور ولكل دور.