نظرة بسيطة إلى الجغرافيا السياسية العراقية، توضح أن الحدود بين إقليم كردستان وباقي مناطق العراق التي تسيطر عليها قوات الحكومة أصبحت شبه معدومة، وان جيران الإقليم الجدد الآن، من الجنوب، هم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) .

إضافة إلى المناطق المتنازع عليها سابقا بين المركز والإقليم وهم ما ينبئ بأنّ المواجهة كانت تلوح في الأفق بانتظار الموعد، وهو ما تفجر بصورة غير مسبوقة خلال الساعات الماضية بانسحاب البيشمركة من مناطق استراتيجية بالنسبة لها، وأهمها قضاء سنجار ذو الغالبية الكردية الأيزيدية.

وسبقت هذه المعارك سجالات بين المركز والإقليم حول شرعية الخطوة الكردية بالتمدد في المناطق المتنازع عليها.

ومن بين 1050 كيلومتراً، كانت تمثل طول الحدود بين الإقليم ومناطق العراق الأخرى، لم تبق حاليا غير 15 كيلومتراً، تحت سيطرة قلقة للقوات الحكومية، أما البقية، فهي لـ «الجيران الجدد».

ويرد المسؤولون في الإقليم، على مطالبة بعض الجهات الحكومية للبيشمركة بالانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها، بعد ترك القوات الحكومية أسلحتها ومقارها، والانسحاب منها: «لمن نترك هذه المناطق؟.. هل هناك من يسد الفراغ!».

الأكثر من ذلك، يتساءل مشاكسون: لماذا لم يتدخل الجيش العراقي عندما احتلت قوات «داعش» ناحية زمار، غربي الموصل، لدعم قوات البيشمركة التي اضطرت الى الانسحاب منها مؤخراً، متغافلين عن واقع هزيمة ثلاث فرق عسكرية في الموصل وتفكك ثلاث أخرى في مناطق مختلفة بعد أن تركت أسلحتها ومعداتها وحتى ملابسها لـ «داعش» ولمتصيدي الفرص.

وما يلفت الأنظار، انّ القوات المقاتلة في محافظة صلاح الدين طلبت قبل أيام إسناداً من القيادة العامة للقوات المسلحة، وكان الرد «عدم وجود قوات كافية»، فيما يشكو المقاتلون والمتطوعون في منطقة جرف الصخر (إلى الجنوب من بغداد) من عدم وجود إسناد من الدروع والطيران، ما أدى إلى سقوطها بعد معارك شرسة بيد المسلحين الذين يقتربون من العاصمة من جهات عدة.

مواقف الاضطرار

وسواء أراد الأكراد أم لم يريدوا، فإنهم يجدون انفسهم الآن وسط معركة، حاولوا في البداية النأي عنها لأنها بنيت على أسس طائفية، فهم إن لم يبادروا إلى ملء الفراغ في المناطق التي هرب الجيش منها يتم اتهامهم بالتواطؤ مع «داعش» والسماح لها أو مساعدتها في ضرب القوات المسلحة، والاستيلاء على الكثير من المناطق.

وان بادروا إلى ملء الفراغ يتم اتهامهم باستغلال الفرصة للتوسع بمساعدة «داعش» وبأنّ هناك اتفاقا مسبقاً بين الطرفين، ولكن أحدا لم يتحدث عن تحذيرات الأكراد قبل احتلال الموصل، إلى إن كشفت الإدارة الأميركية عن قيامها مع الأطراف الكردية بتنبيه الحكومة حول خطر تحركات «داعش» في محيط الموصل، ومع ذلك رفضت العرض الكردي للمساعدة ووعدت بإرسال قوات إضافية، لم تصل.

وفي الطرف الآخر يفكر تنظيم «داعش» في انه لو ترك الأمور كما آلت إليه لواجه اتهامات بتسليمه المناطق المختلف عليها إلى الأكراد، ضاربا عرض الحائط كل توجهات العرب السنّة، ما دفعه إلى وضع المناطق المختلف عليها ضمن جغرافيته المرحلية وإعادة الحدود الكاملة للمحافظات، وإعلان عدم الرضا عن ضم كركوك بجناحها العربي السني إلى الإقليم.

ورفض تجزئة محافظات ديالى ونينوى وصلاح الدين كما يطمح القادة الأكراد، لتبدأ مرحلة المواجهة الصريحة بين «داعش» والطرف الكردي الذي بات مهدداً من جيران خطرين، وفضل التعاون بشكل رسمي أو غير رسمي مع الميليشيات الحكومية، المعادية للأكراد، فيما لا يخلو هذا التعاون من صراع للاستحواذ على مناطق نفوذ، لاسيما مع شبه غياب لدور الجيش.

الجيش البديل

ويرى المراقبون أن هذا التشابك في المواقف أساسه عدم وجود قيادة سياسية لها قدرة على إدارة البلاد، مع انهيار شبه تام للجيش، لاسيما وهو يرى «الجيش البديل» من المتطوعين المبتدئين والميليشيات الطائفية، هو المعتمد رسميا الآن، وله الكلمة العليا في الإدارة العسكرية.

إلا أن الطرف الكردي لا يخلو من نقاط الضعف، وهو مبني عسكرياً على ولاءات حزبية أشبه بالميليشيات، إضافة إلى افتقاره للسلاح المتطور، والروحية الجهادية، التي يمتلكها الخصم.

وإضافة إلى ذلك، يعتبر تنظيم «داعش» أن العراق كله اصبح ضمن ساحة حربه، فيما يرى الجانب الكردي انه «لا دخل له في مناطق وجود قطعات من الجيش العراقي».

حدود طويلة للمواجهات

غير أن المراقبين يعتقدون أن طول الجبهات الأمامية المؤهلة لأن تكون مسرحا للعمليات العسكرية بين «داعش» وقوات البيشمركة، سيضطر القوات الكردية، إلى طلب الدعم والحصول على المزيد من الأسلحة، حيث تتجدد الاشتباكات في عدد من خطوط التماس في حدود الإقليم مع المناطق التي يوجد فيها عناصر «داعش»، كما يحصل الآن في جلولاء في محافظة ديالى.

وتشير تقارير سياسية وإعلامية إلى ان المواجهة الكبيرة بين الطرفين لا مفر منها، ما يحتم على البيشمركة التعاون مع قوات الجيش العراقي والتنسيق معها بوجه هجمات «داعش»، التي تعتمد اسلوب التعرض على القطعات والكر والفر.

إضاءة

منذ شهور يشن تنظيم «داعش» هجمات على مواقع تسيطر عليها قوات البيشمركة، ما يؤشر أن الهدنة الهشة بين الطرفين تتداعى بسرعة، وذلك بعد مقتل عشرات الأكراد في الاشتباكات على طول الحدود غير الواضحة، التي باتت نقاط تماس بين كردستان العراق و«الدولة الإسلامية».