لم تشرق شمس صباح الأول من أغسطس على غزة حاملة نور التهدئة كما أريد لها وفقاً لاتفاق وقف النار لمدة ثلاثة أيام الذي اتفق عليه في القاهرة، بل كانت غزة على موعد مع نار قذائف المدافع الإسرائيلية وصواريخ طائراتها وأسطولها البحري، فاستيقظ الفلسطينيون الذين باتوا ليلتهم مع بعض من طمأنينة التهدئة الموعودة صباحاً على خرق إسرائيل لها، تحت ذريعة وقوع أحد ضباطها أسيراً في يد المقاومة في غزة، ما عرقل اتفاقية وقف إطلاق النار واستمرار المفاوضات حول اتفاق التهدئة، بعد انسحاب إسرائيل، محملة حماس مسؤولية خرق الهدنة، في ظروف تلفها الشكوك، كما الرواية الإسرائيلية السابقة في حادثة اختفاء المستوطنين الثلاثة التي اتخذتها إسرائيل ذريعة لإطلاق حملتها العسكرية في الضفة وعدوانها على قطاع غزة.
أنباء متضاربة
تضاربت الأنباء حول عملية أسر الضابط الإسرائيلي، هدار غولدن، في يد المقاومة، ففي الوقت الذي سارعت فيه إسرائيل - على غير العادة - إلى إعلان النبأ، وإبلاغ عائلة الضابط بذلك ونشر معلوماته الشخصية وتفاصيل عملية أسره، مخاطبة بذلك واشنطن ومصر، ومتحاملة على المقاومة ومتوعدة برد قاسٍ، فضلاً عن إعلان أنها في حل من التهدئة الإنسانية، أعلن الناطق باسم حركة حماس سامي أبو زهري أن إعلان الاحتلال أسر أحد جنوده هو محاولة تضليل وتبرير تراجعه عن التهدئة والتغطية على المجازر الوحشية خاصة في رفح.
فيما خرج موسى أبو مرزوق بعد ذلك بقليل مؤكداً في تصريحات لوكالة الأناضول عملية الأسر إلى جانب قتل جنديين إسرائيليين في العملية، وهو ما سبب إرباكاً في الساحة الفلسطينية التي بقيت في انتظار بيان كتائب القسام أو ظهور أبو عبيدة أو محمد الضيف لنفي أو تأكيد الخبر.
توغل إسرائيلي
وبعد انقضاء نهار الجمعة ومواصلة إسرائيل تحريضها ضد الفلسطينيين من فصائل مقاومة وقيادة فلسطينية جاء بيان كتائب القسام الذي جاء فيه: «لا علم لنا حتى اللحظة بموضوع الجندي المفقود ولا بمكان وجوده أو ظروف اختفائه».
وسلط البيان الضوء على تفاصيل ما حدث شرق رفح فجر الجمعة من مواجهة تعطلت على إثرها مساعي التهدئة، مؤكداً أنّ قوات العدو توغّلت ليلاً بعمق يزيد على كيلومترين في أراضينا شرق رفح، وتقديراتنا بأنه جرى التصدي لها والاشتباك معها من قبل أحد كمائننا التي تواجدت في المكان نفسه، حيث بدأ الاشتباك قرابة الساعة السابعة صباحاً أي قبل وقت دخول التهدئة المفترضة، بينما قامت طائرات العدو ومدفعيته بصبّ نيرانها على المدنيين بعد الساعة العاشرة صباحاً في خرقٍ فاضحٍ لهذه التهدئة بحجة قيام العدو بالبحث عن جندي مفقود.
حالة دفاع
وحول حقيقة أسر المقاومة لهذا الجندي أوضح البيان أن كتائب القسام فقدت الاتصال بمجموعة المجاهدين التي تواجدت في هذا الكمين، ورجح البيان بأنّ جميع أفراد هذه المجموعة استشهدوا في القصف الصهيوني بما فيهم الجندي الذي تتحدث إسرائيل عن اختفائه، على افتراض أنّ هذه المجموعة من مقاتلينا قد أسرت هذا الجندي أثناء الاشتباك وفق ما جاء في البيان.
وعلى إثر نفي القسام معرفتها لمصير الجندي الذي تدعى إسرائيل وجوده لدى المقاومة وتوضيح ظروف العملية يؤكد المراقبون أنه في كلا الحالتين إسرائيل تتحمل المسؤولية لكونها المسبب في اندلاع المواجهة التي حصلت في رفح بسبب توغلها في هذه المنطقة قبل ساعة أو نصف ساعة من دخول توقيت اتفاق وقف إطلاق النار الإنساني، وحتى لو تبين وقوع ضابطها في الأسر، إذ أن مجموعة القسام كانت متمركزة في كمين في حالة دفاع، وليس في وضع هجومي لتنفيذ عملية خلف خطوط العدو كما ادعت إسرائيل في روايتها.
ويرجح المحلل السياسي سمير عباهرة لـ«البيان» فبركة إسرائيل لعملية الأسر على غرار حادثة خطف المستوطنين الثلاثة في الضفة ما دامت أي من الفصائل الأخرى بعد نفي القسام لم تتبن العملية، بعكس المنطق الجاري الذي تفاخر فيه فصائل المقاومة - عادة - بإنجازاتها.
مصالح شخصية
وحول دافع إسرائيل لاختلاق رواية «هدار غولدن» يرى عباهرة أن الاستثمار السياسي الذي يريده نتانياهو من هذه الحرب فشل، فلم يستطع أن يجمع بين يديه خلال العدوان ما يمكنه من مواجهة ما ينتظره من حرب داخلية قد تؤدي إلى إسقاط حكومته ومستقبله السياسي.
وبالتالي ظروف التهدئة بالنسبة له لم تنضج بعد، فيما يستعجله البيت الأبيض لوقف إطلاق النار في أعقاب الاستياء الدولي من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في هذه الحرب، خصوصاً وأن عورة الجرائم الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل تفوق قدرة التغطية الأميركية، فجاء اتهام نتانياهو للمقاومة بتنفيذ عملية وأسر الضابط حجة لانسحاب إسرائيل من التهدئة المفروضة عليه قبل أن يصل إلى إنجاز واحد على الأقل يتغنى به، دون الاصطدام المباشر مع واشنطن في ظل التوتر الحاصل بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية.
تبرير الصمت
قال المحلل السياسي سمير عباهرة إنه «فيما توارت واشنطن خلف الرواية الإسرائيلية وتبنتها لتعطي نتانياهو مزيداً من الوقت لتحقيق شيء - بطولي - يحفظ له سلطته بعد العدوان، ما دام أن نتانياهو منح الإدارة الأميركية حجة قوية لتبرير صمتها خلال الأيام المقبلة قبل المعاجلة لتفعيل وقف إطلاق النار من جديد».