لا يوجد بين العراقيين إلا ما ندر، من لا يستنكر الأعمال الهمجية التي ترتكب في محافظة نينوى ومناطق أخرى، بتهجير المسيحيين من ديارهم، وديار آبائهم وأجدادهم، بسبب ديانتهم، إلا أنهم لم ينسوا ما كان يجري في سنوات بعد الاحتلال، وخاصة في السنوات 2005 – 2008 في مناطق كثيرة من بغداد والعديد من المحافظات الأخرى، من تطهير طائفي، ما استوجب آنذاك نصب الجدران العازلة بين المناطق، التي مازالت قائمة لحد الآن.
ويبدي مراقبون سياسيون استغرابهم من تزامن حملة التهجير الأخيرة للمسيحيين، مع تهجير حوالي 1.5 مليون مواطن من مناطق حزام بغداد ومحافظات صلاح الدين والأنبار ونينوى وكركوك وديالى، جراء الاقتتال والتدمير والقصف العشوائي بالمدفعية والدبابات والطائرات، التي لا تميز بين مسلح ومدني، أو طفل أو شيخ أو امرأة. كل عمليات التهجير هذه مستهجنة وتوجب الاستنكار والإدانة بشدة، وحتى التدخل الدولي لوقفها، ومحاسبة ومعاقبة مرتكبيها.
حمامات سلام
والى حد ما قبل أسابيع، كانت الطوائف المسيحية في العراق أشبه بــ«حمامات سلام»، فوق حمّامات الدم، ولا علاقة لها بالحرب الأميركية ضد العراق، التي اسماها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بــ«الحرب الصليبية»، التي مرت عليها سنوات طويلة، تحولت خلالها إلى حرب طائفية داخلية.
ووسط الزخم الطائفي للاقتتال والتهجير في العراق، جاء تهجير المسيحيين في نينوى، الذي وصفه سياسيون بأنه جزء من مخطط لإفراغ الوطن من مكوناته الأساسية، والنيل من وحدة العراقيين، معتبرين إياه «سابقة خطيرة وجريمة بشعة»، حيث اعتبر رئيس مجلس النواب سليم الجبوري تكرار حالات التهجير لهذا المكون الأصيل خرقا واضحا لحقوق الإنسان، وأدان في بيان له ما يتعرض له أبناء الطائفة المسيحية في الموصل من استهداف صارخ وفاضح وتهجير قسري، مطالبا جميع مكونات المجتمع العراقي وأطيافه بالتلاحم والتكاتف لوأد الفتنة والحفاظ على وحدة النسيج الوطني.
إدانات سياسية
وطالب النائب الأول لرئيس مجلس النواب حيدر العبادي الجهات الدولية والعالمية بالوقوف مع العراق لدحر الإرهابيين ومن يؤيدهم بالمال والإعلام، لافتا إلى أن ما تقوم به داعش يمثل جريمة بحق الإسلام والإنسانية.
واعتبر نائب رئيس الوزراء المنتهية ولايته روز نوري شاويس أن عملية التهجير القسري التي تمارسها عصابات داعش كشفت الوجه الأسود والنوايا الخبيثة المعادية للشعب العراقي ولكل قيم الحضارة والتمدن.
وأكد شاويس أن «حماية أبناء شعبنا من المسيحيين مسؤولية الجميع»، داعيا جميع المعنيين للوقوف بوجه هذا المد البربري الهمجي ومحاربة الإرهاب بكل أشكاله وألوانه بحزم وقوة.
بدوره دعا النائب عن اتحاد القوى الوطنية خالد المفرجي الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها لردع هذه المجاميع وتقديم المعونات للمسيحيين والتنسيق مع حكومة الإقليم لاتخاذ إجراءات تعالج الحالة الإنسانية للمهجرين.
وشدد النائب عن التحالف المدني الديمقراطي مثال الآلوسي على وجوب أن يتحمل البرلمان مسؤولياته تجاه مسيحيي العراق الذين تهدر دماؤهم وأمنهم وشرفهم وأموالهم، وهو يقف موقف المتفرج من كل هذه الأحداث، ودعا «كل المرجعيات الدينية لإصدار فتوى تحرم انتهاك حقوق الديانات الأخرى غير المسلمة والأقليات في العراق».
14 طائفة
تعد الديانة المسيحية ثاني أكبر الديانات في العراق من حيث عدد الأتباع بعد الإسلام، وهي ديانة مُعترَف بها حسب الدستور العراقي، حيث إنه يعترف ب١٤ طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد بها، يتوزع أبناؤها على عدة طوائف ويتحدث نسبة منهم اللغة العربية لغةً أم في حين أن نسبة منهم تتحدث اللغة السريانية بلهجاتها العديدة واللغة الأرمنية.
واحتفظت المسيحية في العراق وعلى خلاف سائر الدول العربية بطابعها الأصلي، فظلت مسيحية سريانية ولم تتعرب بنسب كبيرة كما حصل في بلاد الشام ومصر، وإن كان معظم أتباع هذه الكنائس يجيدون العربية حاليا كلغة تخاطب يومي لاسيّما في المدن الكبرى. وأكبر كنيسة في العراق هي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ومقرها ببغداد تليها كنيسة المشرق الآشورية التي نقل مركزها من الموصل إلى شيكاغو بعد مجزرة سميل عام 1933 بالإضافة إلى وجود للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية، وهناك أقليات أخرى تتبع الروم الملكيين والأرمن والبروتستانت في العراق.
الوضع السياسي
أما بالنسبة للوضع السياسي، فللعراقيين المسيحيين قانون أحوال شخصية خاص بهم، وتعتبر السريانية لغة رسمية في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية في شمال العراق، ويوجد عدد من الأحزاب السياسية المسيحية، ويمثل المسيحيون العراقيون في البرلمان العراقي كل من الحركة الديمقراطية الآشورية بثلاثة مقاعد والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بمقعدين.
تاريخيا لعب مسيحيو العراق، خاصًة السريان من يعاقبة ونساطرة دورا مهما في الترجمة والعلوم والطب خلال فترة الدولة العباسية، وقد ترجم المسيحيون من اليونانية والسريانية والفارسية، واستفادوا من المدارس التي ازدهرت فيها العلوم قبل قيام الدولة العربية خصوصاً مدارس مدن الرها ونصيبين وجنديسابور وإنطاكية والإسكندرية المسيحية والتي خرجت هناك فلاسفة وأطبّاء وعلماء ومشرّعين ومؤرّخين وفلكيّين. وأكبر كنيسة في الشرق الأوسط تقع في العراق في مدينة بغديدا وهي كنيسة الطاهرة الكبرى.
مطالبة آشورية بإقليم سهل نينوى
طالبت «الحركة الديمقراطية الأشورية» بإقامة منطقة أمنة للمسيحيين وبقية المكونات في سهل نينوى. وقال عضو قيادة الحركة نينب يوسف في بيان إن «إقامة منطقة أمنة في سهل نينوى أمر لابد منه وضرورة ملحة للحفاظ على أبناء شعبنا وباقي مكونات المنطقة، بعد تكفيرنا وطردنا من بيوتنا وسرقة ممتلكاتنا»، مبديا استياءه من «محاولات ضم مناطقهم تحت سياسة فرض الأمر الواقع».
وأضاف نينب، أن «الكلدان السريان والاشوريين المسيحيين يتعرضون لهجرة ممنهجة من خلال سلسلة الاعتداءات كان أخرها ما حدث في محافظة نينوى»، محذرا من «اقتلاع شعب أصيل من جذوره أمام مرأى ومسمع العالم بأسره في زمن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان». وأضاف، أن «الأطراف المتصارعة على المناطق المتنازعة التي نملكها لن تستطيع ضمان الاستقرار في المنطقة وسيستمر التهديد مالم يكن هناك حل أممي لهذه المناطق». وشكك في نوايا بعض الدول الغربية التي «تدعي مساعدتهم عبر تهجيرهم»، مشددا بالقول، إن «كانوا صادقين لساعدونا بإنشاء منطقتنا الآمنة على ارض آبائنا وأجدادنا». بغداد- الوكالات