جسّد جيش الاحتلال الإسرائيلي بعدوانه المستمر على غزة مقولة قادته بأن القتلى الفلسطينيين والعرب أرقام لا أكثر، وأضافت على ذلك تحويل أطفال غزة إلى بنك أهداف عدوانها.

فمنذ بدء العدوان على غزة، لا يكاد يمر يوم دون أن يتحول عدد من الأطفال إلى أخبار عاجلة في قصف يحوّل أجسادهم إلى أشلاء متفحمّة. آخر هذه الجرائم وأشدها جرى أمس، حيث ارتكبت إسرائيل مجزرة جديدة باستهدافها مدرسة في مخيم للاجئين ذهب ضحيتها 20 شهيداً و170 جريحاً جلهم من الأطفال، كما استشهد 17 فلسطينياً في قصف على سوق شعبي في حي الشجاعية، علاوة على إبادة عائلات بأكملها في تدمير منازل فوق رؤوس ساكنيها.

نبض الفزع

تصرخ نهى أسعد، بكل ما تملكه من صوت فزعاً وخوفاً، من الشظايا التي غمرت غرفة نومها، بفعل القصف الإسرائيلي لأحد المنازل المجاورة لبيتها.

وتهبّ أسعد 32 عاماً، والأم لطفلتين توأم، لاحتضناهما رعباً من تحولهنّ إلى أرقام عاجلة، تزيد من عداد دم ضحايا العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة لليوم 23 على التوالي.

وتود أسعد كما تقول لو أنهّا تتحول إلى قطة، كي تحمل صغارها وتقفز بهم من حائط إلى آخر هرباً من الموت. وتُضيف وجسدها يرتجف: لم أعد أحتمل، الموت يلاحق أولادنا، في كل مكان، في الشارع، والبيت وغرفة النوم، أريد أن أقفز بهم بعيداً، تماماً كما تفعل القطة الخائفة على صغارها.

وأول أمس استشهد 10 أطفال، وأصيب 45 آخرين بجروح بعضهم خطيرة في قصف إسرائيلي، استهدف منتزهاً في مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة.

أجساد مرتجفة

وتضع الطفلة سنابل عاشور ابنة الستة أعوام، يديّها على أذنيها، كما لو أنهما ملتصقتان منذ الولادة، فصاحبة الجسد الغضّ، المرتجف خوفاً من القصف لا تُزحزح يديها في محاولة بريئة لإخفاء أصوات القصف العنيف والغارات المتكررة ليلاً نهاراً.

وتنقل وكالة الأناضول عن والدتها دعاء أنّ طفلتها على هذه الحالة منذ أول يوم للحرب قبل 22 يوماً، وكلما أرادت إنزال يديها بدأت في الصراخ بشكل هستيري. وتتابع: الأمر بات أكبر من أن يتحملّه أطفالنا، فهم لا يأكلون، ولا تعرف عيونهم طريقاً للنوم، ولو ابتعدنا قليلاً عنهم، يصرخون خوفاً.

وأين ستذهب بأطفالها هرباً من الموت، الذي يحوم في كل مكان، كما تقول منى سعيد الأم لثلاثة أطفال. وتُضيف: طفلتي نور 6 أعوام، تصرخ فزعاً في كل ليلة، من أصوات القصف التي تهز أرجاء المنزل، بالأمس أخذت تبكي، وجعلتني أبكي معها عندما قالت لي (ماما رجعيني (أعيدني) لبطنك بديش (لا أريد) أن أموت.

أهداف للطائرات

وكأنهم باتوا أهدافاً رئيسياً لطائرات الاحتلال، فأطفال غزة يستشهدون في كل دقيقة، كما يقول حسام عبيد (37 عاماً) الأب لطفلتين. ويُضيف: بالأمس وبعد زيارة خاطفة قام بها أقارب لنا، أخبرّتهم بتوخي الحذر، وعدم المشي في جماعة، وأن يتفرقوا في السير، فمازحني أحدهم «ليس معنا طفل».

ولا تغدو تلك العبارة مزاحاً كما ترى سمية إبراهيم وهي أم لثلاثة من الأطفال، إذ تؤكد أن صغار غزة باتوا هدفاً للطائرات الإسرائيلية. وتُضيف: وكأن الحرب شُنت، لأجل قتل هؤلاء، وسحق طفولتهم وبراءتهم، فقدوا كل معالم الحياة، تتحول أجسادهم إلى أشلاء، وشبح الموت يُلاحق أرواحهم البريئة.

وما تحمله أياديهم من دُمى، وألعاب، وما تركله أقدامهم من كرة قدم، هي عبارة عن أهداف لإسرائيل وفق الأب سالم النمرة، والذي يُضيف ساخراً: ماذا سنفعل؟ أين سنذهب بأطفالنا، يلهون يقتلونهم، ينامون يقصفونهم.

ضحايا الحرب

وهذه الحرب لم تخلّف آلافاً من القتلى والجرحى، وحسب كما يقول درداح الشاعر أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى بغزة، بل تكفلت في قتل وإبادة الطفولة. وأضاف الشاعر: الأطفال لا لغة على شفاههم، سوى أين القصف؟ متى ستضرب الطائرات؟ عقولهم لم تعد تحتفظ بالصور الجميلة، والقصص التي تحكي عن الخراف والأرانب، هم ضحايا هذه الحرب، إما قتلى وإما جرحى، أو يذرفون الدمع.

وأكد الشاعر أن الطفل وليد بيئته، وما يسمعه ويشاهده، مشدداً على أن أطفال قطاع غزة، يحتاجون بعد الحرب إلى برامج مكثفة للعلاج النفسي، وإزالة ما اختزنته عقولهم من صور سوداء.

معاناة الأطفال

يُشكل الأطفال وفق إحصائيات مركز الإحصاء الفلسطيني نسبة 60 % من سكان قطاع غزة، يعاني 30% منهم بحسب إحصاءات حقوقيـة أمراضاً نفسية متعددة منها الخوف الشديد وأعراض الصدمة النفسية والعصبية جراء القصف الإسرائيلي المتواصل على القطاع، وجراء رؤيتهم مشاهد الموت والدمار والجثث الملقاة في الشوارع وفي المنازل أمام أعينهم.