ما زالت الغارات مستمرة في كل أنحاء قطاع غزة، الذي يعيش عتمة دائمة، بعد قصف محطة الوقود، فلا نور غير جحيم الصواريخ، وقذائف المدافع، تنير درب الموت، الذي يتهدد كل من في القطاع في عدوان لا تريد إسرائيل لنتيجته أن تكون كسابقاته، فتوغل في القتل، وتوسع دائرة المحرقة، بحصد مزيد من الأرواح، فيما تعيش غزة، التي صدمت على وقع صمت العالم على جريمة الاحتلال، وتأخر التوصل إلى اتفاق تهدئة، في ظل التعنت الإسرائيلي، والمكابرة لإخضاع المقاومة باستخدام المدنيين وقوداً لابتزاز سلاح المقاومة ونزعه.
ويرى مراقبون في سير الأحداث تحولاً إلى حرب استنزاف إذا ما رفضت إسرائيل ما رفعته الفصائل الفلسطينية مجتمعة إلى مصر، لتقديمه لإسرائيل في مبادرة مصرية قد تكون الفرصة الأخيرة لوقف إطلاق النار.
تهدئة وتهدئة
وفي ضوء المؤشرات الراهنة، لا يلوح في الأفق حل عسكري، ولا حل سياسي للعدوان الإسرائيلي على غزة، فلم يعد العائق مصدر المبادرة ما دامت إسرائيل لا ترى عنواناً للحل غير التهدئة مقابل التهدئة، وتبدو أقرب إلى إعلان وقف النار من جانب واحد، مع التأكيد على استمرار الرد منه إلى الخضوع لاتفاق جديد.
وهذا ما عبرت عنه القناة العبرية العاشرة بقولها إن إسرائيل أبلغت ممثل الأمم المتحدة بأن «الهدوء من غزة يقابله هدوء من إسرائيل»، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي «قارب على الانتهاء من عمليته في قطاع غزة، بعد استكمال تدمير الأنفاق التي اكتشفها، التي عثر عليها عبر معلومات استخبارية». وأكدت القناة أن الجيش «سينسحب قريباً جداً من قطاع غزة، وينهي العملية من طرف واحد، بعد تدمير العدد الباقي من الأنفاق، التي لم يتم العثور عليها حتى الآن».
تبني ودعاية
وعلى الرغم من ما يبديه المجتمع الدولي من تعاطف خجول على خلفية جرائم الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين، إفنه يوافق إسرائيل في قرارها ضرورة كسر المقاومة، وسحب سلاحها من غزة بعد نجاح الجيش الإسرائيلي في تسويق رواية استخدام المقاومة لبيوت المدنيين، ومدارس «الأونروا»، والمساجد وغيرها من المؤسسات المدنية مخازن للسلاح، وقواعد للانطلاق، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل في الاستمرار في عمليتها، على الرغم من ارتفاع عدد الضحايا المدنيين وحتى الأطفال منهم.
وهذا الموقف للمجتمع الدولي ظهر واضحاً على لسان وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، في مقابلة مع محطة «دويتشلاند فونك» الإذاعية، عبر خلالها عن اعتقاده أن فرص تحقيق هدنة دائمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين «مرهونة بشرطين هما نزع السلاح في قطاع غزة، وتحسين الظروف المعيشية هناك»، مطالباً المقاومة الفلسطينية بالكف عن «أخذ المدنيين رهائن»، على حد تعبيره، ومطالباً أيضاً بـ«سحب الصواريخ المخزنة داخل المدارس والمستشفيات»، فيما دعا إسرائيل إلى «الاستعداد لتحسن ملموس للظروف المعيشية للناس في غزة إذا ما تم سحب السلاح من هناك شرطاً، لضمان تهدئة طويلة الأمد».
حرب طويلة
وفي ذات السياق، يرى المحلل السياسي محمد ضراغمة أن إسرائيل «لا يمكن لها أن تسحق المقاومة، في حين لا يمكن للمقاومة أيضاً أن تسحق إسرائيل»، مضيفاً: «المقاومة لا تنكسر لأنها ليست جيشاً لديه قواعد عسكرية، يمكن احتلالها، وإسرائيل قوة عسكرية يمكن لها أن تواصل دك غزة بالطيران والمدفعية، بينما يتعايش العالم مع سقوط عشرات الضحايا الفلسطينيين كل يوم».
وأكد ضراغمة أن السيناريو المرجح لهذه الحرب هو أن «تعلن إسرائيل، بعد أن تنهي هدم الأنفاق، عن وقف للنار أحادي الجانب، وتنسحب إلى الحدود، وتهدد باستخدام الطيران للرد على كل صاروخ، يخرج من غزة، أي الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد».
المفتاح المصري
يؤكد المحلل السياسي محمد ضراغمة أنه في حال كان هناك من حل سياسي في الأفق فسيكون مفتاحه مصر. ويضيف: «مصر ستسلم المفتاح للرئيس محمود عباس، والرئيس عباس مقبول من حماس، والوصول إلى هذا الحل يتطلب وفاقاً فلسطينياً، أولاً، ومن دون هذا الوفاق لا مخرج».
