طويت صفحة الهدوء الحذر بين تنظيم داعش، والقوات النظامية السورية، بعدما تصاعدت حدة المواجهات بينهما على طول مدينة الرقة، والحسكة ،ودير الزور، وقبل ذلك في ريف حمص الشرقي، ليدخل الصراع العسكري عتبة جديدة، قد تكون حاسمة في تحديد هوية المنتصر في نهاية المطاف.

فالنظام السوري، وعلى لسان رئيسه بشار الأسد كان يطرح نفسه في مستهل خطاب القسم بوصفه المنتصر والشرعي الوحيد على البلاد، في حين كان حلم أبو بكر البغدادي يتحقق في إعلان «الخلافة» على أرض الشام والعراق، كلاهما كانا يشعران بنشوة الانتصار، في الوقت الذي حذرتهما الظروف الموضوعية والذاتية من أن الحسم لم يبدأ بعد، طالما ثمة من يريد أن يعكر هدوء الآخر.

خطط محبوكة

وكان ثمة روايات تحيل توغل تنظيم الدولة الإسلامية إلى جملة خطط محبوكة، تدار في غرفة عمليات خاصة، غير أن العلاقة تبين أنها منفعة متبادلة للطرفين. فالنظام بتغاضيه عن تورم تنظيم البغدادي وتوسعه جغرافياً، كان ينوي في الأساس أن يكسب أمرين، الأول، إظهار نفسه أمام المجتمع الدولي بمظهر يحارب التنظيمات الإرهابية ليدفن الخطاب الثوري محلياً ودولياً تحت التراب، والثاني كان يستغل «داعش» في تصفية الفصائل الثورية العسكرية، التي كانت بمثابة خنجر يقض مضاجعه يومياً، و«داعش» كان يعتمد على تغاضي النظام ليتمدد.

غير أن طبيعة الصراع السوري لا تحتمل وجود السلطات الفرعية المتكاثرة لفترة طويلة، فخاصية ابتلاع الخصوم صفة اصطبغ بها سلوك التنظيمات الإسلامية، والقوات النظامية طيلة فترة النزاع، وفق قاعدة البقاء للأقوى.

صدام حتمي

واندلع الصدام في هذه المواجهة المفتوحة، وفق المراقبين بعد تطهير «داعش» جميع خصومه في المناطق الشمالية- الشرقية، وخاصة مع انقضاء حقبة جبهة النصرة والكتائب المحلية المتحالفة معها في دير الزور وريفه، بالتوازي مع سقوط الموصل العراقية، فكان البحث عن الثروات الطبيعية، كحقول الغاز والنفط في المناطق التي يفترض أن تنضوي تحت ظل «خلافة» البغدادي بمثابة دافع يحرك قوافل المتطرفين شرقاً وغرباً.

ويبدو أن السلطات السورية شعرت بخطورة الوضع الراهن، فلم تعد المهادنة ولا التغاضي يسيران لصالح أجندتها، فالخطر الوجودي بات يهدد قاعدتها الموزعة على الساحل السوري، باقتراب «داعش» من مناطق سيطرته في حمص وحماه.

مواجهة كبرى

وكانت مدينة الرقة، التي تعتبر المعقل الرئيس لـ«الدولة الإسلامية»، مسرحاً لهذه المواجهة المفتوحة في الأيام الأخيرة، فقد استهدفت الغارات المكثفة مقرات التنظيم، رد عليها مقاتلو البغدادي باستهداف الفرقة 17 الواقعة غربي المدينة، وترجح المؤشرات الميدانية الملموسة أن مهمة الطرفين ليست سهلة، كما يصوره البعض، وذلك بسبب التوازن العسكري الملحوظ على كل الصعد، فإن كانت ميزة قصف الطيران النظامي ترجح كفة النظام من الناحية الجوية، فإن العمليات الانتحارية والسيارات المفخخة خاصية تصب لصالح تنظيم البغدادي ميدانياً. وعلى ضوء هذه المعطيات المتوفرة، قد يدخل الطرفان في حرب استنزافية طويلة من دون وجود بوادر للظفر بنتائج الصراع قريباً.

براغماتية

كان تنظيم البغدادي يتحرك بعقلية براغماتية في التعاطي مع مقاربة النظام واستراتيجية، وضرورة تجنب الدخول معه في صراعات استفزازية، فأولويته كانت تكمن في فرض الحاكمية المتشددة، وتطبيق الشريعة، والقضاء على الخصوم المحلية، وتعزيز الثروة الاقتصادية والبشرية والعسكرية، تمهيداً لإعلان الخلافة الإسلامية.