من البداية كان من المتوقع أن تتعثر مساعي وزير الخارجية الأميركي جون كيري لوقف حرب غزة، حيث ذهب إلى المنطقة للبحث عن حلّ أمني لمشكلة سياسية في جذورها. هذه الجذور تخلت عنها إدارة الرئيس الأميركي بارك أوباما يوم سمحت لإسرائيل بإيصال مفاوضات السلام إلى الانهيار في أبريل الماضي. ابتلعت آنذاك فشلها تحت ستار أنها حاولت ولم تفلح. رمت بالمسؤولية على الطرفين بالتساوي. مع انها كانت ضمناً منزعجة من حكومة بنيامين نتانياهو التي تعرف جيداً أنها كانت وراء التفشيل. بل كانت تدرك أن مثل هذه النهاية قد تقود إلى الاحتقان فالانفجار.
وعندما ردّ الجانب الفلسطيني بحكومة ائتلافية، عملت إسرائيل على تعبئة الأجواء تمهيداً لضرب الواقع الفلسطيني الجديد، الذي قبلت به واشنطن بكثير من الخجل والغموض والشكوك وبما جعل موقفها يتناغم إلى حدّ ما مع الرفض الإسرائيلي له.
على هذه الخلفية انفجرت المواجهة. بدونها كان يمكن أن ينتهي خطف وقتل الصبية الإسرائيليين بخطف وحرق الفتى الفلسطيني. «هذه الحرب شنتها إسرائيل لضرب الوحدة الفلسطينية» الوليدة، على هشاشتها، كما يقول أحد كبار النقاد اليهود الأميركيين لإسرائيل وسياساتها هنري سيغمن.
جيش محرضين
حكومة نتانياهو رأت أن الظروف مواتية للقيام بضربتها «حماس» معزولة وتعيش حالة ضيق ومقاطعة صعبة. والمنطقة غارقة بأزماتها. ثم أن من وراء نتانياهو جيشا كبيرا من المساندين بل المحرضين في واشنطن. خاصة في الكونغرس وبعض وسائل الإعلام، فضلاً عن الدوائر والمراكز النافذة العاملة بخدمتها على الساحة الأميركية، مثل اللوبي الإسرائيلي وشبكاته الدعائية و«مؤسسة واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» للدراسات وسفارة إسرائيل في واشنطن وما تملكه كل هذه الجهات من شبكات تواصل وضغط، جرى استنفارها للتخفيف من وقع الصورة السلبية التي تركها سقوط مئات المدنيين الفلسطينيين، خاصة قصف مدرسة «الأونروا».
وتولّى قسم منها ليس فقط الدفاع عن شراسة القصف والتدمير، بل أيضاً الحضّ على مواصلة العمليات حتى النهاية.«على إسرائيل أن تبقى هناك ما لزم الأمر وتقوم بما ينبغي القيام به لإنجاز المهمة»، يقول السناتور الجمهوري لاندسي غراهام. خطاب رددته جهات إعلامية وسياسية. كانت ذروته أمس في مقالة مايكل أورن، سفير إسرائيل السابق في واشنطن والذي لا يزال هنا يعمل في أحد مراكز الدراسات. وجاءت تحت عنوان «دعوا إسرائيل تسحق حماس»، والمعروف أنه مقرب من صناعة القرار الإسرائيلي ومطلع على توجهاته.
نكسة وخيبة
ولم يكن صدفة أن تأتي مقالته في ذات اليوم الذي رفضت فيه الحكومة الإسرائيلية مشروع كيري. وكأنها نطقت بما ينطوي عليه هذا الرفض، الذي ترك مسحة من الخيبة في واشنطن، انعكست في الرد الأولي لوزارة الخارجية الأميركية التي اكتفت بعبارة «لا تعليق»، ففي ذلك نكسة أخرى للإدارة التي باءت دبلوماسيتها بالفشل بعد أسبوع من التحرك والسعي في المنطقة.
شكوك وتوقعات
على هذه الأرضية، تشير التوقعات إلى أن الوضع الميداني سائر في هذا الاتجاه وإلى حين، ولو أن هناك شكوكا كبيرة بالنتائج. فمثل هذا الصراع «لا حلول عسكرية له»، كما تردد على لسان أكثر من خبير ومحلل. لكن في ذات الوقت لا مخارج سلمية له في اللحظة الراهنة. لا إدارة أوباما قادرة أو عازمة على العودة إلى اصل المشكلة السياسية لمعالجتها ولا المشارع المطروحة كافية. خاصة وأن إسرائيل عازمة من الأساس على المضي في عدوانها وان «حماس» تواجه من موقع «الذي يشعر بأنه ليس هناك ما يخسره من الاستمرار في المعركة» على ما يقول المراقبون. وبين النارين يستمر نزيف الغزاويين.
مبادرة
طرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري مبادرة هدد ضمناً من خلالها أنه في حال لم تنجح الجهود فقد ينفض يديه من التوسط. وأفيد أن المبادرة عبارة عن تسوية لعدة مقترحات، لكن سرعان ما رفضها الإسرائيليون.
