لا يستطيع أحد، لا من معسكر الأصدقاء ولا معسكر الأعداء ولا المتفرّجين، أن يتجاهل الخطاب الأخير للرئيس الفلسطيني محمود عباس، بالنظر إلى أن مضمونه غير مسبوق وأن له ما بعده، حتى إن أشد معارضي الرئيس الفلسطيني أبدوا ارتياحاً له على أساس أنه »يجبّ ما قبله«. ولعل ردة الفعل الإسرائيلية على خطاب الرئيس محمود عباس تعكس حالة المفاجأة من تداعيات الخطاب، فإسرائيل اعتبرت أن عباس وجه بخطابه دعوة لفصائل المقاومة باستمرار القتال ومواجهة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، كما أن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان اعتبر الخطاب تبنياً واضحاً لمطالب المقاومة. وقد تكون ردود فعل الإسرائيليين على المواقف والسياسات مؤشراً ملائماً على فهم دلالاتها أكثر من التصريحات نفسها.
لكن قبل الالتفات لأي ردود فعل إسرائيلية أو إقليمية أو دولية على الخطاب، يبقى الأهم انعكاساته على الشعب الفلسطيني، وبخاصة في غزة التي تواجه حرب إبادة جماعية وسلسلة من المجازر اليومية المروّعة وجرائم الحرب التي تحظى بدعم دولي غير مسبوق في تاريخ الصراع الذي أصبح للأسف فلسطينياً إسرائيلياً.
أنعش الآمال
خطاب عباس أنعش آمال الفلسطينيين وطمأنهم على وحدتهم الوطنية واتفاق المصالحة الذي يراه كثير من المراقبين الدافع الأبرز وراء شن إسرائيل هذا العدوان الغاشم.
لذلك قوبل الخطاب بارتياح فلسطيني كبير من الفصائل جميعاً ومن الشارع الفلسطيني أيضاً، وهذا أمر مهم في هذه المعركة، لأنه رسالة لإسرائيل ولكل العالم بأن ما يجري ليس حرباً بين إسرائيل وفصيل فلسطيني، بل حرب على الشعب الفلسطيني وقضيته ومصيره، بل وحتى وجوده. وهذا ما عبّر عنه عباس بوضوح حين قال »إن عدوان إسرائيل على غزة لا يستهدف فصيلاً بعينه، وإن الشعب الفلسطيني موحّد في وجه العدوان الإسرائيلي الغاشم، لأن هذا العدوان يستهدف الشعب الفلسطيني بأكمله«.
أول مرة
غزة تعرضت للعدوان أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، علاوة على تعرّضها لحصار عدواني متواصل منذ أكثر من ثماني سنوات، لكن هذه أول مرة يصدر فيها موقف رسمي فلسطيني بهذه القوة والحسم والوحدويّة، وهو أبلغ رد على إسرائيل التي تسعى بكل الوسائل لترسيخ الانقسام الفلسطيني، ولهذا كانت غاضبة جداً بعد الإعلان عن تشكيل حكومة التوافق.
وبهذا المعنى يمكن القول إن إعلان المصالحة استجمع أطراف الجسد الفلسطيني، وخطاب عباس وضع الروح في هذا الجسد من خلال تحديه للعدوان المدجّج بالنار والحديد والغطرسة، وتوجيهه رسالة شديدة الوضوح للمتصارعين إقليمياً على حساب الدم الفلسطيني أن »أخرجوا القضية الفلسطينية من أية تجاذبات أياً كانت«، وكانت الصرخة الأعلى في خطاب عباس رداً على النفاق الدولي وسياسة الكيل بمكيالين إن »نقطة دم من طفل فلسطيني أغلى عندنا من كل شيء في هذا العالم«، وما يترتب على هذا عبّر عنه عباس، حيث توعّد قادة الاحتلال بملاحقتهم في المؤسسات الدولية مهما طال الزمن.
إذن بالقتال
وإذ كانت الآية الكريمة: »أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير« خاتمة الخطاب التاريخي لعباس، فإنها بداية لجدل وتشابك علامات الاستفهام حول المقصود من إيرادها، وما قد يأتي بعد ذلك.
بعض المحللين في قراءته لهذه اللغة الجديدة بل والمواقف النارية في خطاب عباس، يعزو التغيير إلى فشل الخيار التفاوضي وخيبة أمل عباس من هذا الخيار إلى درجة »غسل يديه منه«. هذه قراءة علمية ودقيقة ومرجّحة بالنظر إلى مواقف سابقة في مناسبات مشابهة (العدوان)، لكن ما بعد الخطاب أهم مما قبله، والفلسطينيون ينظرون إلى الأمام استجابة لمتطلبات صراع صعب مع هذا الاحتلال الذي يذيقهم الموت الجماعي، ويريد الاستفراد بهم مرة تحت عنوان فصائل وأخرى تحت عنوان مناطقي، فيما الهدف هو الشعب الفلسطيني نفسه باعتباره شوكة في حلق المشروع الصهيوني برمّته.