ما زالت حادثة إسقاط الطائرة الماليزية طاغية على المشهد الإعلامي السياسي في واشنطن، بصورة وضعت كل ما عداها في المرتبة الثانية. حتى حرب غزة.
ثبوت ضربها بصاروخ أرض ـ جوّ، تجمع التقديرات على أنه روسي الصنع، أدخل العلاقات الفاترة أصلاً بين واشنطن وموسكو، في ثلاّجة حرب باردة جديدة حقيقية.
نقمة اميركية
ثمة نقمة أميركية واسعة على الرئيس بوتين، لا تخلو من التهويش. المحافظون والمتشدّدون تاريخياً تجاه موسكو، شملوا إدارة اوباما بالنقد الشديد لتراخيها، كما جدّدوا الدعوة ليس فقط لفرض عقوبات خانقة على روسيا، بل أيضاً لتزويد أوكرانيا بأسلحة متقدّمة لضرب الانفصاليين الذي يحظون بدعم موسكو.
الوزير كيري الذي كان ضيف البرامج الإخبارية المهمة اليوم على شبكات التلفزة الرئيسية الخمس، كان كمن يمشي على حبل مشدود.
حاول الجمع بين الخطاب الناقم وعدم الرغبة والقدرة على نسف الجسور مع بوتين. اشاد بتعاونه في النووي الإيراني والكيماوي السوري. طالبه بنفس التعاون في التحقيقات بحادثة الطائرة التي يتجه إصبع الاتهام فيها إلى الانفصاليين المحسوبين عليه.
التوقعات ضبابية.
من المستبعد أن يلبي بوتين المطلوب منه فيعترف بخطأ تسليم الانفصاليين مثل هذه الصواريخ ويعمل على حل سياسي لأزمة أوكرانيا.
فهو ربما ينحو باللائمة على واشنطن التي عرقلت اتفاق وقف نار توصل إليه الألمان والفرنسيون في يونيو الماضي بين الانفصاليين وكييف، كما يقول ستيف كوهين الخبير في الشأن الروسي والأستاذ في جامعة برنستون، الذي يرى أن حادثة الطائرة جاءت في سياق مطاردة الطيران الأوكراني للانفصاليين، بعد فشل هذه المبادرة.
وبذلك تتجه المشكلة نحو المزيد من التعقيد والخطورة، مع انسحاب التداعيات على ساحة أزمات أخرى.
حضور ثانوي
في ظلّ طوفان الردود والتوظيف السياسي لهذه الفاجعة التي وضعت موسكو بوتين في الزاوية، يمرّ اجتياح غزة بأقل ضجة ممكنة في واشنطن. حضوره ثانوي بالنسبة للطائرة. مع اعتزام مجلس الأمن لعقد جلسة مساء اليوم وقرار توجّه الوزير كيري إلى القاهرة، أخذت الحرب شحنة إضافية من الاهتمام.
مع أنه لا قرار دولياً متوقعاً، ولا مبادرة أميركية تخرج عن الغاية التي حددها نتنياهو اليوم، الذي كان هو الآخر ضيف شبكات التلفزة الأميركية، والتي وضعها في إطار نزع سلاح حماس.
التلميحات تشير إلى أن الحراك الدبلوماسي، يأخذ وجهة مشروع وقف إطلاق النار على هذا الأساس السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، مايكل اورن، تحدث عن صيغة تشبه ما جرى للتخلص من الكيماوي السوري، في هذا الخصوص. الضغط في هذا الاتجاه يواكبه ضغط ميداني يتوقع المراقبون تزايد وتيرته في الأيام القادمة، خاصة وأنه يحظى عموماً بدعم واسع في واشنطن.
بل ثمة في واشنطن من يدعو إسرائيل علانية إلى مواصلة حملتها حتى النهاية. أبقوا ـ في غزة ـ المدة التي تحتاجونها وافعلوا ما ترونه لازماً، يقول السناتور الجمهوري لاندسي غراهام، مخاطباً الحكومة الإسرائيلية.
وهو يبدي دعمه وتشجيعه المفتوح، على خلفية معرفته أن حكومة نتنياهو اختارت هذا السبيل. ألمح ايضاً إلى هذا الخيار، مارتن انديك المبعوث الأميركي الخاص إلى جولة المفاوضات التي انتهت في ابريل الماضي. يقول ان نزع السلاح يتم إما عسكرياً وإما من خلال وقف إطلاق نار بمساعدة دول في المنطقة، لها تأثيرها على حماس.
ثمة حاجة إلى صفقة دولية في هذا الإطار. وهذه يجري التخطيط لإنضاجها على نيران الآلة العسكرية الإسرائيلية.