في سبتمبر 2009 جاء في كتاب أعدّه الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات الإسرائيلي الخارجي «الموساد» أفرايم هليفي أنه قبل أيام من المحاولة الإسرائيلية الفاشلة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمّان في 25 سبتمبر من عام 1997، نقل العاهل الأردني الراحل الملك حسين اقتراحاً من «حماس» لإسرائيل يقضي بوقف إطلاق النار بين الجانبين لـ 30 سنة. وكان رئيس الحكومة في إسرائيل حينها بنيامين نتانياهو إياه. هليفي يقر في كتابه أن «الموساد» مضى قدماً في خطة الاغتيال التي أفشلتها فقط يقظة الحراس والأمن الأردني. يعني ذلك الإقرار بأن إسرائيل وجّهت من خلال تلك المحاولة طعنة لبلد أقام معها علاقات دبلوماسية، قبل أن تقضي على الهدنة المقترحة في مهدها، حيث لم تشأ أن ترفض بشكل مباشر المحاولة الأوروبية للتوصّل إلى تهدئة، لكنّها كانت تدرك أن محاولة اغتيال لقائد بارز من شأنه أن يدفع الأمور بعيداً عن منطق الهدنة.
رائد الكرمي
هذا الكلام ينطبق على مسلسل الهدنات والتهدئات التي تم التوصّل إليها مع إسرائيل، وكذلك تلك التهدئات التي كانت الفصائل الفلسطينية تعلنها من جانب واحد، والتي كانت إسرائيل تعلن أنها غير معنية بها. وبعد اغتيال القائد الميداني في كتائب الأقصى، رائد الكرمي في 14/1/2002 انهارت الهدنة التي كانت أعلنتها فصائل المقاومة والتي استمرت قرابة شهر كامل، ما أدى الى تصاعد عمليات المقاومة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ذلك العام، والتي قتل فيها 130 إسرائيلياً خلال شهر مارس وحده.
صلاح شحادة
في يوليو 2002 انهارت هدنة كانت الفصائل الفلسطينية بصدد التوصل إليها أيضاً بوساطة أوروبية، عندما اغتالت اسرائيل القيادي صلاح شحادة وقتلت معه 18 فلسطينياً وهم نيام، منهم 16 طفلاً، وجرح 150 معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، ودمّرت في تلك الجريمة حياً كاملاً في غزة. بعد تلك المجزرة كشف الكاتب الإسرائيلي بن كسفيت في صحيفة معاريف الإسرائيلية عن الهدف السياسي الذي توخّاه أرييل شارون، قائلاً: «في كل مرة يظهر فيها شعاع ضوء بالتحرك السياسي تقوم إسرائيل بتنفيذ عملية تصفية ذات صدى تعيد الوضع الى سابق عهده». وفي ذلك الوقت أوردت الصحف الإسرائيلية تقارير مفصّلة عن المباحثات التي أجراها مبعوثون أوروبيون مع بعض القادة الفلسطينيين للتوصل إلى تفاهم يقضي بوقف العمليات الفدائية في إسرائيل وتركيز المقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإعطاء دفعة جديدة لعملية التهدئة.
من جانب واحد
وفي منتصف عام 2003 التزمت المقاومة الفلسطينية بهدنة من جانب واحد، لكن إسرائيل نسفتها عن سبق إصرار وترصّد.
ففي 21 أغسطس من ذلك العام اغتالت إسرائيل اسماعيل أبو شنب أحد أبرز قادة «حماس» السياسيين وأكثرهم حمائمية، وفي أبريل من العام 2008، رفضت عرضاً من «حماس» لإعلان هدنة مدتها ستة أشهر مصحوبة برفع للحصار.
في 19/6 من العام ذاته، تم التوصّل إلى اتفاقية تهدئة بوساطة مصرية تضمّنت تعهد الحكومة الإسرائيلية وفصائل المقاومة على وقف متبادل لجميع الأعمال العسكرية من قطاع غزة بما لا يشمل الضفة الغربية.
وحدّدت مدة التهدئة بستة أشهر. لكن إسرائيل لم تحترم تلك التهدئة.
الرصاص المصبوب
وتوالى مسلسل التنصّل الإسرائيلي وتوج بعملية «الرصاص المصبوب» التي بدأت في 27 ديسمبر 2008، وانتهت في 18 يناير 2009، عن استشهاد 1417 فلسطينياً على الأقل (بينهم 926 مدنياً و412 طفلاً و111 امرأة) وإصابة 4336 آخرين، وتدمير هائل للمنازل وللبنى التحتية.
لا التزام
يتضح أن العدوان والتهدئة متوالية زمنية غير متكافئة، فالتهدئة لا تصمد ولا تحترمها إسرائيل ولا تتعامل معها بجدية بل بمنطق تكتيكي وقف النار مؤقتاً ليعود للبحث في النسخة المقبلة من العدوان.
أما الإسرائيليون الذين يرتدون زي الانتقاد لحكومتهم فهم يناقشون المسألة من زاوية ما يحقق مصالح إسرائيل، ويتجاهلون حقيقة وجود الشعب الفلسطيني ناهيكم عن حقوقه الوطنية وكون أبنائه السكان الأصليين، ما يعني أن إسرائيل ومستوطنيها يتغذون على أوهام القوة وأيديولوجيا العنصرية. إنها تجربة طويلة تؤكد أن إسرائيل مستودع ذرائع للعدوان.
وهذا يعني أن أية تهدئة يمكن التوصّل إليها بعد العدوان الحالي لن يكون مصيرها أفضل، أما العدوان المقبل فلن يكون سوى مسألة وقت، لأن الثابت منذ نكبة 1948 هو الصراع.
