تعاملت واشنطن مع انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب العراقي، على أنه «خطوة أولى مشجعة» في العملية السياسية.

تأمل بتحقيق الخطوة التالية: اختيار رئيس حكومة غير رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي. على الأقل هذا ما تقوله. لكن هي تعرف أن هذا الأخير يستقوي بطهران، التي لن تفرط فيه بسهولة. خصوصاً وأن مفاوضات النووي سائرة نحو التمديد.

وبالتالي فمن المتوقع أن تحتفظ طهران بكل أوراقها ومنها الورقة المالكية العراقية. بذلك، يبقى من المستبعد تسهيلها لتركيب حكومة ائتلاف عراقية جديدة تكون قادرة على سحب البساط من تحت «داعش» لوقف زحفه ورده على أعقابه.

في ظلّ هذه المعطيات يدور الجدل في واشنطن حول جدارة سياسة إرسال المستشارين والخبراء العسكريين الأميركيين إلى العراق. وقد يزداد عددهم.

استغراب

الحيثيات التي قدمتها الإدارة ضبابية. خطوتها سبقت خطتها وكانت اضطرارية رمزية. بعثت بثلاث دفعات متتالية، بحدود 800 خبير، قبل أن تحدد لهم المهمات. بعد وصولهم إلى العراق، كلفت وزارة الدفاع «البنتاغون» لجنة بدراسة الواقع العسكري العراقي على الأرض، للتعرف إلى الإمكانيات والاحتياجات. قالوا إن انهيارات معركة الموصل تثير الاستغراب.

لكن ما يثير الاستغراب فعلاً هو أنه كيف يمكن لقوة عسكرية نظامية أشرف «البنتاغون» على تدريبها وتسليحها لسنوات وبكلفة بلغت 25 مليار دولار، أن تنفرط وتهرول هاربة أمام قوة من الميليشيات مهما بلغ تنظيمها وتدريبها؟ لم يحصل مثل هذا الأمر حتى في أفغانستان المخترقة قواتها العسكرية بالولاءات المختلفة.

اللجنة طلعت بتفسير، على ما ذكرته معلومات مسرّبة عن تقريرها السري، أن القوات العراقية مخترقة من جانب «المتشددين السنّة كما من العناصر التي تدعمها إيران». وكأن واشنطن كانت جاهلة بهذا الأمر. خصوصاً الاختراق الإيراني.

وعليه يرى المسؤولون الأميركيون أنه «ما لم تقد أميركا الجهود لبناء القوات العراقية، فإنه لا أمل بتقليص تعويل الحكومة العراقية على الميليشيات المدعومة من إيران». لكن أميركا سبق وقامت بعملية البناء هذه وكانت النتيجة مفجعة وبالتالي ما الذي يضمن أن تكون النتيجة مختلفة هذه المرة؟ وكيف يتم تلافي مثل هذا الاختراق طالما الولاءات باقية على حالها وكذلك الانقسام السياسي؟

خطر أمني

تقديم الخبرات والمشورات الأميركية للقوات العراقية، ورقة لجأت إليها إدارة أوباما لأنها لا تملك البديل. لا هي في صدد العودة العسكرية الوازنة إلى العراق ولا هي قادرة على صرف النظر عن صعود «داعش» الذي تقول أوساطها وآخرهم وزير العدل في خطاب له قبل أيام، إن هذا التطور يشكل خطراً أمنياً على الولايات المتحدة.

جاء خيار المستشارين والخبراء الخاصين، ليسدّ الفراغ. وهي تربط تفعيل مهمتهم بحل العقدة السياسية. وتغازل طهران من زاوية الترحيب بأي دور يمكن أن تلعبه لفك هذه العقدة. ولا تخفي واشنطن اعترافها بمصالح إيران في العراق.

لكن الأزمة السياسية باتت أبعد من المعالجة، حسب معظم القراءات الأميركية. الفجوة السنية – الشيعية هائلة.

خصوصاً مع وجود المالكي. والوضع الكردي يمشي بخطى حثيثة باتجاه الاستقلال. أو على الأقل نحو التأسيس لعدم التراجع عنه. وجاءت إقالة الوزير زيباري لتقطع الخيط الرفيع الباقي بين المالكي والأكراد. فالمشهد واضح ولا تجهله واشنطن.

والحديث عن ضرورة التصدي لـ«داعش» مازال حبراً على ورق حتى في سوريا. تخصيص مبلغ 500 مليون دولار لدعم المعارضة السورية من أجل تمكينها بوجه «داعش»، أعيد من الكونغرس الأميركي للمزيد من الدراسة، وليس من المتوقع إنجاز مشروعه العملاني قبل أواخر الصيف أو مطلع الخريف القادم.

مأخذ

منذ زمن والمأخذ على هذه الإدارة أنها دائماً متأخرة في تعاملها مع الشأن الخارجي. خصوصاً في الشرق الأوسط. والعراق ليس حالة شاذة. بل ربما حالة متعمدة.

ثمة عبارة شهيرة قالها مرة نائب الرئيس بايدن، مفادها أن «المطلوب ليس دفع العراقيين نحو التقسيم بل تركهم ليطالبوا هم انفسهم به». الخشية أن هذا ما هو حاصل على الأرض.