يقول سكان في تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، إن الصيام تحت وطأة القصف الحكومي العشوائي المكثف وحرارة الصيف اللاهبة وانقطاع الكهرباء وانعدام الخدمات الضرورية، بات أمراً واقعاً في ظل غياب الطقوس الرمضانية التي اعتادت عليها المدينة في الشهر الفضيل، فلا جلسات سوى جلسات العزاء، التي غالبا ما تكون مختصرة خشية الاستهداف من بعيد ولا أحاديث رمضانية إلا عن كيفية البقاء وتحدي المخاطر.
وفي الجانب المعيشي، لم يكن يدور في خلد علي غالب، وهو شاب ثلاثيني، أن يتحول الخبز بالنسبة له إلى عملة نادرة بين ليلة وفجرها في المدينة التي يرفض الخروج منها حتى لو دفع ثمن ذلك حياته، كما هو الحال بالنسبة إلى الكثيرين من سكان تكريت التي أصبحت مسرحا للعمليات العسكرية بين القوات العراقية المدعومة بالمتطوعين والميليشيات وبين الجماعات المسلحة، فيما لا يخفي سكان تكريت مخاوفهم من استمرار تلك المعارك، وما سوف تترتب عليه من تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية.
فرح وألم
ولم تلمح أي من مظاهر الفرح أو السرور في شوارع تكريت والمدن الأخرى التي خرجت عن سيطرة الدولة، احتفاء بشهر رمضان، فيما غابت تعابير الفرح عن أوجــه أبنــاء هــذه المدينة بصورة عامــة.
وعندما سئل غالب عن رأيه في وضع مدينته، قال بصوت مفعم بالألم والحسرة والتردد: «أشعر بان العالم انتهى، فعلى الرغم من كثرة الحروب التي مررنا بها، إلا أننا لم نعش وضعا مثل هذا».
وغالب من أبناء مدينة تكريت التي تقع ضمن محافظة صلاح الدين شمال غربي العراق وهي ثاني مدينة كبرى تخرج عن سيطرة الحكومة المركزية بعد الموصل منذ نحو شهر. وأرغمت تلك الأحداث آلاف الأسر على ترك المدينة خوفا على حياتهم من القصف الجوي والمدفعي المتبادل بين الجيش والمسلحين نحو مناطق أكثر أمناً مثل كركوك واربيل.
ويستطرد: «غياب البنزين جعلنا نركب الدراجة الهوائية الذي تركتها منذ أيام الإعدادية. أبحث منذ وقت الظهيرة عن مخبز لأحصل على الخبز لأطفالي».
حياة وموت
ومع محاولات القوات العراقية المتكررة اقتحام تكريت، بدت آراء السكان مضطربة إزاء ذلك وما قد يتبعه من انهيار للبنية التحتية للمدينة، وهو ما أفرز هواجس وقلقا مما قد تؤول إليه الأحداث حتى بالنسبة إلى أولئك الذين ظلوا محايدين. ويقول المواطن التكريتي محمد عداي، 22عاما، إن «الشباب الذين بقوا في تكريت يشعرون بحالة مأساوية للغاية لانقطاعهم عن العالم، بالأخص بعد قطع خدمة الانترنت وانقطاع الكهرباء. بتنا لا نعرف ما يخبّئ لنا الغد، فنحن عالقون بين الحياة والموت».
وتذكر أم سعد، شأنها شأن الكثير من العراقيين، أن «توقف صرف الراتب وإغلاق المحال التجارية جعلنا في حيرة من أمرنا، خاصة وان شهر رمضان يتطلب المزيد من الإنفاق. أنا كامرأة عدت بذاكرتي لأيام الطفولة في اختراع أكلات اقتصادية كنا نطبخها في السابق عندما كنا صغارا».
وتقول: «مشكلتنا اليوم كبيرة.. قصف وغياب كامل للخدمات ومصادر الرزق. فقط هناك كثرة من الوعود بصرف رواتب الموظفين، إلا أننا فقدنا الثقة بكل تلك الوعود ومثيلاتها».
تدمير
بجولة بسيطة في المدينة، تظهر للعيان العديد من المباني والمنازل المدمرة وأخرى تحمل آثار الصواريخ وإطلاق النيران. ولم يحل زعماء العراق بعد عددا من المسائل الشائكة مثل التوترات السياسية والأمنية، فيما يتوقع محللون أن تستمر الأزمة لأشهر. البيان