يبدو العراق حالياً على أبواب سيناريوهات «مرعبة» لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في ظل دق طبول الحرب الأهلية، بالموازاة مع مواصلة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) زحفه لنشر أفكره التطرفية التي جاءت نتيجة انتهاج العراق سياسة طائفية، وتدميره أضرحة وحسينيات.. فيما شهد الجانب الشيعي على الصعيدين السياسي والشعبي، تكاتفاً غير مسبوق، كان اللافت فيه الفتوى التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني ودعا فيها العراقيين إلى «حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين»، في إشارة إلى الحراك المسلح ضد رئيس الوزراء نوري المالكي.
انهيار الوضع الأمني في العراق مرتبط مباشرة بتعثر التوافق السياسي بين الفرقاء، وعدم توصلهم إلى مناخ موحد لإنقاذ العملية السياسية مما هي فيه اليوم، نتيجة التشبث بالسلطة تحت عناوين الاستحقاق الانتخابي.
ويؤكد مراقبون أن المشكلة الرئيسة في العراق هي أن «المالكي ساهم في تقويض الجيش والسيطرة على النظام القضائي، واستخدمهما لتقوية نفوذه ومصالحه الشخصية، حيث عمل لسنوات على ترهيب القادة السنّة العرب لإخراجهم من الحكومة، ولم يحترم اتفاقيات تشكيل حكومة وحدة وطنية وعمل على تهميش الأكراد، وحاول قمع متظاهري الأنبار مستخدماً القوة التي أدت إلى تصاعد وتيرة العنف ووقوع ضحايا في صفوف المدنيين.
تقاذف المسؤولية
وفاقم المالكي كل هذه المشاكل بلجوئه إلى تغيير قادة الجيش باستمرار، ربما خوفاً من قيامهم بانقلاب عسكري، وأيضاً لأنه أمضى الشهور الماضية وهو يُضخّم من خطر «داعش» بهدف تعبئة أصوات انتخابية شيعية، ما جعل الجنود في حالة ترقب وقلق سرعان ما تحوّلت إلى ذعر وهرب مع اقتراب مقاتلي داعش من الموصل والمدن الأخرى.
ووسط سيطرة تنظيم داعش على عدد من المدن العراقية كان المفروض بالقائد العام للقوات المسلحة أن يسعى بكل جهده لرفع معنويات جيشه والتصرف كرئيس وزراء دولة من أجل الحفاظ على المؤسسة العسكرية التي هي ركن أساسي في الدولة العراقية الحديثة بدل اللجوء إلى طائفته واستغلال كره أبنائها الشديد لـ«داعش»، وهو ما يفتح الباب أمام حرب أهلية وتداعيات مخيفة على المدى القريب والبعيد باعتبار أن الأمر أصبح صعب الاحتواء.
ضعف القبضة
خطر نشوء معقل قوي للجهاديين في العراق أصبح وشيكاً، فـ«داعش» سيطرت على الفلوجة غرب بغداد منذ العام الماضي، ويسيطر مقاتلوها لآن على الموصل وتكريت ومعظم الطريق السريع من بغداد إلى الشمال أيضاً، ووضعوا نصب أعينهم المزارات الشيعية التاريخية في كربلاء والنجف والعاصمة ذاتها، وقامت حكومة المالكي في غالبها بضرب مقاتلي داعش بالطائرات، لكن ضعف قبضته على السلطة أصبحت واضحة للعيان.
وإخراج هذا التنظيم من هذه المناطق لم يعد سهلاً يسيراً مثلما في البداية، وحيث له مشروع إقامة دولة استبدادية مطلقة على حد السيف وضمن تصورات بدائية ممسوخة هي أسوأ حتى من قيم القرون الوسطى.
منعطف خطير
العراق اليوم يعيش منعطفاً خطيراً يهدد حاضره ومستقبله، بل حتى ماضيه، ما لم يعمل الجميع لمصلحة وحدته والحفاظ على كيانه من التمزق والتشظي، بعيداً عن الحديث عن الكتلة الأكبر، وحجم المقاعد، فأرض الرافدين تمر بأزمة كبيرة تهدده في الصميم، نتيجة السياسات الخاطئة. وعليه فإن الوحدة في المواقف والتنازل عن رغبات السلطة، من أجل العراق ووحدته، عنصر مهم يحسب لمن يكون في مستوى المسؤولية، والتاريخ يسجل لمن يريد الحفاظ على مكتسبات العملية السياسية والحفاظ على وحدة العراق.
