في ديسمبر من العام 1987 قامت شاحنة إسرائيلية بدهس أربعة فلسطينيين عمداً بمخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة. وفي سرعة البرق ترجم الفلسطينيون غضبهم على تلك الجريمة بتظاهرات تدحرجت ككرة الثلج وانتقلت من غزة إلى الضفة الفلسطينية، ثم أخذت طابع الديمومة وحملت مسمّى انتفاضة، وشيئاً فشيئاً أصبح رمزها الحجر الذي قيلت فيه القصائد ولُحّنت له الأغاني وصدحت باسمه الحناجر الفلسطينية والعربية.
في تلك المرحلة أسهب محللون ومراقبون وأجمعوا على جريمة الدهس تلك لم تكن سبباً كافياً لاندلاع انتفاضة بذلك الاتساع والإبداع والاستمرار، إذ ان إسرائيل كقوة احتلال ارتكبت قبل ذلك جرائم أكبر من تلك الحادثة الإجرامية.
من يعود إلى الفترة التي سبقت الانتفاضة، بإمكانه أن يضع دائرة الضوء على سلسلة مقدّمات شكّلت الدفيئة الملائمة لذلك الانفجار الشعبي الذي كان بمثابة تغيّر نوعي نضج على نار الاحتلال والظرف الإقليمي والدولي.
مقدّمات وعوامل
خلال ذلك العام الذي جاءت الانتفاضة في شهره الأخير، عقدت قمّة عربية بدت فيها القضية الفلسطينية مهمّشة، وبالمقابل عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته الثامنة عشرة التي أنهت اتقساماً فلسطينياً دام أربع سنوات عجاف، وفي نوفمبر 1987 نفذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة عملية الطائرة الشراعية التي كانت عملية نوعية وناجحة من حيث الاختراق الأمني والعسكري والمعنوي الذي أحدثته إيجاباً لدى الفلسطينيين وسلباً لدى الإسرائيليين، وأضافت الصحافة الإسرائيلية لتلك المقدّمات مجيء الذكرى العشرين لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد يومين من اندلاع الاحتجاجات على جريمة الدهس، ثم مجيء الذكرى الثانية والعشرين لانطلاقة حركة فتح.
كل تلك المقدّمات كانت ذروة نضوج أضيفت إلى منحنى متصاعد لانتهاكات الاحتلال وجرائمه واستيطانه وحملات الاعتقال التي لم تبق بيتاً فلسطينياً دون أن يطاله.
اتفاق أوسلو
بعد أكثر من ست سنوات من الفعل الانتفاضي المتنوع، توصّلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق أوسلو مع إسرائيل في سبتمبر 1993، وكان من استحقاقاته ان يوجّه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات رسالة للشعب الفلسطيني يطلب فيها وقف الانتفاضة، مقابل إنشاء السلطة الفلسطينية وعودة مئات القيادات والكوادر الفلسطينية إلى مناطق الضفة وغزة.
كان الشعب الفلسطيني يراهن على إمكانية تحوّل اتفاق أوسلو الذي حمل اسم «اتفاق مبادئ» إلى اتفاقية سلام تفضي إلى تحقيق الحل المرحلي، وبرنامج الحد الأدنى المتفق عليه فلسطينيا والمتمثّل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين.
لكن حساب البيدر لم يأت مطابقاً لحساب الحقل، ومرت السنوات وانقضت ما تسمى المرحلة الانتقالية، وخاضت قيادة المنظمة جولات من التفاوض في سبيل الانتقال من الحل الانتقالي إلى الحل الدائم.
حكومات متعاقبة
سقطت حكومات إسرائيلية وتناوبت عليها قيادات من حزبي الليكود والعمل وحلفاء كل منهما، لكن ظهر جلياً أن القيادة الإسرائيلية ظلت مشدودة لأيديولوجيتها الصهيونية التي تعاملت مع ما هو انتقالي باعتباره نهائياً.
وكانت ذروة ذلك الموقف واضحة في مفاوضات كامب ديفيد الثانية في النصف الثاني من عام 2000 التي انتهت إلى الفشل بسبب إصرار القيادة الإسرائيلية على مواقفها، وانحياز الراعي الاميركي لذلك الموقف، بل وصلت الأمور إلى حد عقد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون مؤتمراً صحافياً ويحمّل فيه الجانب الفلسطيني مسؤولية الفشل.
وكان ذلك الموقف الاميركي بمثابة الغطاء لعدوان كانت تخطط له إسرائيل، ونتذكر كيف أجرت إسرائيل حينها تدريبات «حقل الأشواك».
وكانت زيارة أرئيل شارون للمسجد الاقصى جزءا من سيناريو إسرائيلي لإشعال احتجاجات تتذرّع بها إسرائيل لشن العدوان. وحتى عندما أظهر الفلسطينيون ما يشبه ضبط النفس، أقدم جيش الاحتلال على مجزرة في الحرم القدسي، حيث أطلق العسكريون الإسرائيليون الرصاص على الفلسطينيين أثناء أدائهم الصلاة.
النسخة الثانية
كانت تلك شرارة تجدّد الانتفاضة الفلسطينية المؤرّخ لها في العشرين من سبتمبر 2000، والتي تسمى بـ «الثانية»، لكنّها جاءت في ظل معطيات ومتغيّرات وواقع مختلف، بل إن بعض المحللين يعتقدون أن تلك المعطيات كانت ترجمة لنوايا إسرائيلية تم اشتقاقها من دروس الانتفاضة الشعبية الأطول في التاريخ.
أهم المتغيّرات في النسخة المتجددة كان وجود سلطة فلسطينية وشرطة وأفراد أمن وطني يحملون سلاحاً متفقاً عليه في أوسلو، لكنّ إسرائيل استغلّته لتروّج في العالم أنها لا تواجه انتفاضة شعبية إنما حرباً وصفها وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي بـ «حرب صغيرة»، وقد ساهمت بعض وسائل الإعلام الغربية في ترويج الرواية الإسرائيلية، وذلك من خلال التعمية على الاشتباك الشعبي بالحجارة، والتركيز على بعض المناكفات الجانبية بالسلاح.
ربما يستطيع بعض المراقبين أن يعتبروا أن الطريقة العنيفة والدموية التي تعاملت بها إسرائيل مع التظاهرات السلمية، كانت سببا لاتجاه الانتفاضة نحو العسكرة والعمليات التفجيرية، كما أن البعض ينظر للمسألة بأثر رجعي، بمعنى أن إسرائيل عندما وافقت على إنشاء السلطة والشرطة المسلحة ببنادق خفيفة، كان هدفها المسبق والمبيت التعامل مع أي فعل نضالي فلسطيني باعتباره حرباً. وهذا ما يفسّر استخدامها الطائرات المقاتلة والدبابات في الفتك بالشعب الفلسطيني.
شرارة التجدّد
قبل قرابة الشهر خطف ثلاثة مستوطنين في ظروف لاتزال غامضة وتحتكر إسرائيل الرواية بشأنها، بل جعلت من نفسها محامياً ومدّعياً عاماً وقاضياً في الوقت نفسه، وبسرعة أيضاً تدحرجت الأحداث، حيث خطف المستوطنون الفتى محمد ابوخضير وعذبوه واحرقوه حياً حتى الموت.
ثم عاد الحديث من جديد عن ظروف ناضجة لانتفاضة ثالثة ظهرت ملامحها باندلاع احتجاجات ساخنة في الضفة والقدس والمناطق المحتلة العام 1948.
لكن قبل أن تتفاعل عوامل الانفجار الشعبي وتتحوّل بالفعل إلى انتفاضة دائمة، نحّت إسرائيل الجدل جانباً من خلال شنّها عدوان «الجرف الصامد» الذي لا يزال متصاعداً ضد قطاع غزة. ومن المؤكّد أن هذا العدوان سيتوقّف عاجلاً أم آجلاً، وسيكون سبباً إضافياً في إنضاج ظروف تجدّد الانتفاضة.
أما شكل هذه الانتفاضة وإن كانت على طريقة الأولى (الحجر)، أم الثانية (السلاح)، فهذا ما تقرره طبيعة الصراع وطريقة تعامل إسرائيل، وصمود المصالحة الفلسطينية.
3
شنّ الاحتلال الإسرائيلي خلال أقل من خمسة اعوام ثلاثة حروب على قطاع غزة المحاصر، ففي 2008 كانت حرب الرصاص المصبوب، وفي 2012 كان عدوان عامود السحاب.. والآن عدوان الجرف الصامد.
